م/ عبد المنعم مختار
النقد الذاتي ليس ترفاً خطابياً ولا تمريناً في البلاغة، بل هو فعل أخلاقي بامتياز. هو لحظة مواجهة صادقة مع المرآة، حين يعترف المرء ـ فرداً كان أو أمة ـ أن الخطايا المرتكبة في حق الآخرين لا تمحوها الحيل البلاغية ولا الشعارات البراقة. والندم في هذا السياق ليس بكاء على الأطلال، بل شجاعة الاعتراف بأن اليد التي صفّقت للباطل أو ضغطت على زناد الخراب، قد صنعت جرحاً في ضمير الإنسانية.
تاريخ البشرية ملآن بمثل هذه اللحظات. ها هو توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، يقف متأخراً ليقول إن مشاركته في غ.زو العراق كانت “مبنية على معلومات خاطئة”. لكنه قالها بعد أن تحولت بغداد إلى خراب، وتشرد الملايين، وقُت.ل مئات الآلاف. اعتذار متأخر، لكنه يظل اعتذاراً، يتركنا نتساءل: أي قيمة للندم إذا جاء بعد أن استقرت الجثث تحت التراب؟
وقبل بلير بقرون، ندم ريتشارد غاتلنغ، مخترع البندقية الدوارة، حين رأى أن اختراعه ـ الذي كان يتوهم أنه سيقلل من عدد الجنود في الح.روب ـ صار آلة لحصد الأرواح بلا رحمة. لقد فهم متأخراً أن التقنية لا تعفي من المسؤولية الأخلاقية. ومثل غاتلنغ، كم من علماء ومفكرين باعوا علومهم لتجار الد.م والس.لاح، ثم جاؤوا يذرفون دموع الحكمة بعد أن فاضت المقابر.
القائمة طويلة: من حكومات اعترفت بخطيئة التمييز العن.صري في أميركا وجنوب أفريقيا، إلى دول استعمارية اكتشفت فجأة أنها “أخطأت” حين استغلت الشعوب ونهبت خيراتها. حتى الكنيسة الكاثوليكية، في لحظة نادرة، نكست رأسها اعترافاً بف.ظائع محاكم التفتيش. ومع ذلك، تبقى الكارثة الكبرى ماثلة؛ فلسطين الجريحة، حيث لم نسمع بعد نغمة ندم واحدة من قوة الاحتلال، بل المزيد من الذرائع لتبرير الد.م.
لكن لو عدنا إلى ساحتنا السودانية، لوجدنا أن ثقافة الاعتذار عندنا نادرة كلبن الطير؛ من باع “الفلاشا” في السوق السياسي، إلى من باع مشروع الجزيرة في سوق الله أكبر، من حوّل الخطوط الجوية إلى “كوشة”، والبحرية السودانية إلى “مركب شراعي”، إلى من قت.ل محمود محمد طه باسم الدين، ثم أع.دم ودفن أبطال حركة 28 رمضان أحياء باسم الانقلاب. من مارس دفن الناس أحياء في بيوت الأشباح، إلى من قن.ص المتظاهرين في شوارع أكتوبر وأبريل، ثم حوّل مج.زرة فض الاعتصام إلى “خطأ إداري” لا أكثر. هؤلاء لم يعتذروا، بل تفننوا في إنكار الشمس في رابعة النهار.
وإذا كان العالم قد عرف فيتنام والعراق، فقد عرف السودان حرب 15 أبريل، التي جمعت بين عبقرية التدمير وسادية التبرير؛ قت.ل، ح.رق، تشريد، اغت.صاب، ن.هب بنية تحتية، تخ.ريب تعليم وصحة وخدمات، ثم وقاحة في الاستمرار كأن شيئاً لم يكن. أي اعتذار ننتظر ممن جعلوا الخرطوم ومدني وكل كردفان ودارفور… إلخ، مسرحاً لمج.زرة مفتوحة؟ هؤلاء لا يعرفون الندم، بل يظنون أن المعصية إذا تكررت صارت شطارة سياسية.
إن ثقافة النقد الذاتي والاعتذار لا تنتقص من هيبة القائد أو قيمة المفكر، بل ترفع مقامه عند الناس. لكن يظل السؤال المؤرق: هل يكفي أن نقول “أخطأنا” بعد أن تُزهق الأرواح ويُستباح العمران؟ هل الندم فضيلة تصحّح التاريخ، أم مجرد عزاء أخلاقي متأخر لا يغسل الدماء؟
في كل الأحوال، يظل الاعتراف بالذنب أفضل من دفنه بالصمت. فالتاريخ لا يرحم، لكنه قد يصفح عن الذين امتلكوا شجاعة أن يجلدوا أنفسهم قبل أن يجلدهم الآخرون. أما من يصرّ على المكابرة، فمصيره أن يُحاكَم في ذاكرة الناس، حيث لا تنفعه خطب الجمعة ولا بيانات السيادة.

Leave a Reply