مجدي علي
#ملف_الهدف_الثقافي
حين يُهمّش الضوء: معاناة الأدب الإريتري
في زوايا بعيدة عن ضجيج الإعلام العربي، يقف الأدب الإريتري كظلّ لجبل لم يُشاهد بعد. يعاني كتّابه ومبدعوه من تجاهلٍ طويل، وإقصاءٍ شبه تام من المنصات الثقافية والإعلامية العربية، رغم الجذور العميقة والنبض الإنساني العالي الذي تفيض به تجاربهم. كأنّ الوطن هناك لا يُكتب، أو كأنّ المنفى قد صادر القصيدة كما صادر الأرض. في ظلّ هذا التعتيم، يظلّ المثقف الإريتري يقاتل بالكلمة، بالرسم، بالنحت، ويكتب سيرته بالعناء، ويبتكر مجده في الظل، كما يفعل محمد إسماعيل أنقا.
ديوان بصري ووجداني
صدر مؤخرًا عن دار النخبة بالقاهرة ديوان “السؤال عن أساور فاطمة” للشاعر والفنان التشكيلي محمد إسماعيل أنقا، في حوالي 59 صفحة من القطع المتوسط. وهو عمل شعري وفني بامتياز، إذ يجمع بين طاقة اللغة الشِّعرية الكثيفة، والبعد البصري التفاعلي، في تجربة تمثل حالة فريدة في المشهد الثقافي الإريتري والسوداني والعربي عمومًا.
شاعر ورسام… وتوق جمالي لا يهدأ
ما يميز هذا الديوان ليس فقط القصائد التي تنبض بهَمّ إنساني عميق، وإنما الإطار الفني المتكامل الذي خرج فيه العمل. فقد قام الشاعر نفسه بتصميم الغلاف، والرسومات الداخلية المصاحبة للنصوص، ليمنح القارئ تجربة حسّية مركّبة، تمزج بين الكلمة والخط واللون، وتُقدِّم الشعر بوصفه فعلًا بصريًا أيضًا، لا مجرد نص يُقرأ.
أنقا، في هذا السياق، لا يُقرأ كاسم عابر، بل كظاهرة ثقافية متكاملة. حين يُذكر اسمه، يتبادر إلى الذهن ذلك التعدد الغني في أدوات التعبير؛ من الشعر إلى الرسم، ومن النصّ إلى التصميم، ومن التعبير الفردي إلى الهمّ الجمعي. إنه فنان يمسك بالخيط السري الذي يربط الجمال بالحقيقة، في لغته، وفي خطوطه، وفي رؤيته للعالم.
قصائد متعددة الأنفاس… من الومضة إلى المطوّل
يضم الديوان خمس عشرة قصيدة تتنوع بين الطويلة، والمتوسطة، والقصيرة جدًا، أقرب ما تكون إلى قصائد الهايكو. هذا التنوع لا يأتي لمجرد الزينة الشكلية، بل يعكس قدرة الشاعر على الاستجابة للحظة الشعرية وجرسها الداخلي. لغة أنقا تمتاز بالثراء والشفافية معًا؛ لغة فضفاضة متأنقة، تلامس الحواس وتستدعي الخيال، مشحونة بالإيحاءات والانزياحات الجمالية، تفتح أفق التأويل أمام القارئ وتأخذه في رحلة إلى عوالم أسطورية تُضيء ما هو خفيّ في الذات والواقع معًا.
المرأة كرمز للوطن
المرأة في هذا الديوان ليست فقط معشوقة غنائية، بل رمزٌ ومرآةٌ لوطن يُقاوم النسيان. إنها الأم، والحبيبة، والمشردة، والمناضلة، واللاجئة، التي تتقاطع تجربتها مع التاريخ والوجع والشتات.
أنقا يتناول المرأة الإريترية تحديدًا، في لحظاتها النضالية والإنسانية، دون أن يغفل عن تصوير جمالها العذري، مستدعيًا الموروث الشعبي والأسطوري، ليمنحها أبعادًا تتجاوز الجسد إلى جوهر إنساني وروحي عميق.
أساطير، أقنعة، وألوان تشكيليّة
تأثر أنقا الواضح بالفن التشكيلي يتجلّى في صياغته للشعر. كأنّه يرسم بالكلمات، يُوازن بين الكتل اللغوية كما يفعل الرسام مع ألوانه. تستحضر قصائده عناصر من الأسطورة، والأقنعة، والتقاليد، وتعيد توظيفها شعريًا لخلق لغة تحاور التاريخ والفن، وتسمو باليومي إلى مصاف الجمالي والعميق.
مقدّمان مهمّان… وشهادة للتجربة
افتتح الديوان بمقدمتين بارزتين:
الأولى بقلم إدريس عوض الكريم، الكاتب السوداني المعروف وصديق الثورة الإريترية، والذي قدّم شهادة حيّة عن التجربة ومساراتها الأولى. والثانية بقلم د.أحمد حسن دحلي، الذي تناول شعرية أنقا نقديًا وتحليليًا، متوقفًا عند تقاطعاتها الثقافية والجمالية.
ديوان بتواريخ متعددة… وزمن شعري واحد
القصائد في هذا العمل كُتبت في فترات زمنية مختلفة، لكنها تتكامل في ما بينها بخيط ناظم، هو الرؤية الشاعرية العميقة التي تكتب من جرح التاريخ، بعين الفنان وقلب العاشق وخيال الطفل. كل نص هنا يشكّل لحظة، لكنها لحظة ممتدة في الزمن، ومفتوحة على الدهشة.
صوتٌ يُسمع خارج الحدود
نال محمد إسماعيل أنقا جائزة رايموك للشعر، وهي من أبرز الجوائز التي تُمنح في مهرجان “الإكسبو” الثقافي السنوي بإريتريا. كما عُرضت له أعمال شعرية وفنية في سوريا، وفي عدد من الدول الإفريقية، وفي أوروبا، حيث وجدت تجربته صدى وتقديرًا، ما يدل على الامتداد الجغرافي والإنساني لصوته الإبداعي.
مشاريع مؤجلة تنتظر الدعم
يحتفظ أنقا حاليًا بعدد من الأعمال الجاهزة للنشر، من أبرزها دراسة مقارنة بين لغات دول القرن الإفريقي، أنجزها في نسخة مطبوعة واحدة. المشروع متوقف بسبب قلة الموارد، وينتظر جهة تتبنّى طباعته ونشره.
وهو إلى جانب الشعر، يكرّس حياته للفن التشكيلي، والنحت، والبحث الثقافي، موزّعًا وقته ببساطة الزاهد، وعمق المثقف الموسوعي.
قصيدة تُرى وتُحسّ
في “السؤال عن أساور فاطمة”، لا نقرأ نصوصًا شعرية فحسب، بل نعيش تجربة بصرية ووجدانية متكاملة. هنا، تتقاطع المرأة مع الوطن، وتتجاور الأسطورة مع اليومي، ويصبح الشعر لوحةً تُرى وتُلمس.
إنها دعوة لأن تُصغي الذائقة الثقافية العربية لهذا الصوت القادم من ضفاف القرن الإفريقي، صوت محمد إسماعيل أنقا، الشاعر الذي يرى العالم بعينين من قصيدة وألوان

Leave a Reply