نجلاء البحيري
#ملف_الهدف_الثقافي
شكرًا لكم على إتاحة الفرصة لقراءة العدد رقم (50) من الملف الثقافي المميّز.. اطّلعت على الملحق كاملًا، ويسعدني أن أشارككم تقييمي..
أولاً: الملحق جاء متنوعًا، ذا طابع فكري واضح، ويعكس وعيًا تحريريًا جيّدًا. المقالات اتسمت بلغة متزنة وسلسة، وغطّت موضوعات تتراوح بين الهمّ الثقافي والبعد الإنساني، ما منح العدد ثراءً وترابطًا من دون تكلّف.
لفتني أيضًا حضور كتّاب مميزين أضفوا على الملحق ثقة وثقلاً بأصوات متنوعة وأساليب متباينة، فأضحت النكهة الثقافية مرنة، منفتحة على القارئ دون أن تتنازل عن عمقها. وهذه ميزة تُحسب لـ”الهدف الثقافي”، وتمنحه قيمة إضافية.
ثانيًا: محور الذكاء الاصطناعي كما طرحه الكُتّاب
كان هذا المحور الأكثر إثارة وتأمّلًا بالنسبة لي؛ إذ لم يُطرح كقضية تقنية فحسب، بل كمسألة وجودية تثير أسئلة جوهرية حول الأدب والفن. أعجبتني زوايا الطرح المتعددة، من المقالات التحليلية مثل د. أشرف مبارك، إلى النصوص التي تقارب التجربة والقلق مثل نص هيثم الشفيع، وصولًا إلى الطرح العالمي في مقال “كودان”. لم يكن الطرح منحازًا ولا سطحيًا، بل اتّسم بالجدّية والوعي، مؤكّدًا على أهمية أن يبقى الإنسان يقظًا في تعاطيه مع أدواته، لا مستسلِمًا لها.
ثالثًا: رأيي الشخصي في الذكاء الاصطناعي والإبداع
أنا لا أراه عدوًا، ولا أُبالغ في تصنيفه تهديدًا. أراه أداة، لكنها خطيرة إن استخدمناها بكسل، وأمل إن استخدمناها بوعي. هو ليس كاتبًا، بل مساعد. ليس شاعرًا، بل خادمٌ لخيال الشاعر. لقد منح الإنسان قدرة على تسريع الإنتاج، لكنه لا يمنحه المعاناة التي تصنع النصوص الصادقة. ولهذا، سيبقى الفرق واضحًا بين من “يكتب” ومن “ينتج كلامًا”.
الذكاء الاصطناعي ليس خيرًا خالصًا، ولا شرًا مطلقًا. إنه يقف في منطقة متوازنة بين الإمكان والخطر، وتبقى الكلمة الفصل للإنسان:هو من يختار، وهو من يصوغ الفكرة ويهبها نبضها. فهو، مهما تطوّر، يبقى خاليًا من المشاعر، عاجزًا عن الإحساس، ولا يدرك عمق الفكرة كما يشعر بها كاتب عركه الألم، أو شاعر صاغ من نبضه حروفًا تشبهه. فالكاتب حينما تولد في ذهنه فكرة، قد لا يستطيع حتى أن يصفها لأقرب أصدقائه، فكيف ننتظر من الذكاء الاصطناعي أن يفهمها؟
ثمّة فجوة لا تُردم: لأن الفكرة لا تولد في الخارج، بل تُولد في داخلٍ لا يطاله ذكاءٌ مبرمج. ولهذا، سيبقى الإبداع البشري ضرورة لا ترفًا، واحتياجًا لا خيارًا. الكاتب الواعي، المثقف، تظهر بصمته في حديثه، في اختياراته، في عمق فكره ونضج لغته. أما من ادّعى الإبداع، ثم لجأ إلى الذكاء الاصطناعي ليكتب عنه، فهو في الغالب صاحب رصيد فارغ، تفضحه هشاشة الأسلوب، وقلة الخبرة، وضعف الوعي. فالكاتب لا يُقاس بعدد كلماته، بل بما تقوله كلماته عنه. ومن هنا، فالإبداع ليس في أن تكتب.. بل في أن تكون.

Leave a Reply