دروب الحقيقة: قراءة في كتاب”إفريقيا ثقافة العنف والقوة”(3-4)

صحيفة الهدف

بقلم: أحمد مختار
#ملف_الهدف_الثقافي

السحر والفساد وخصخصة الحروب الأهلية
تحولت الدولة والقابضون على السلطة فيها إلى وسائل وقنوات للنشاط الإجرامي المنظم، والاحتيال والتهريب، وظهرت المليشيات الخاصة، وخصخصت الحروب الأهلية، وأُعيد المجتمع إلى البدائية باللجوء للسحر والتنجيم في الحكم والصراعات الأهلية. وسعى السياسيون إلى تعظيم أرباحهم في ظل الفوضى التي صنعوها والعنف الذي يستمدون منه شرعيتهم. يعود الدكتور آدم يوسف في هذا الجزء من الكتاب إلى الروايات الأدبية، التي صورت الواقع المؤلم والانفصام في الشخصية الإفريقية، أو ما أسماها عبد الرازق عيد (عناصر بنية ثقافة الخوف، المؤسسة على التفكير المزدوج، وهي أن تعرف وأن لا تعرف، أن تعي حقيقة صادقة كل الصدق، وترى فيها الأكاذيب موضوعة بعناية، وأن تكون لديك في نفس اللحظة وجهتا نظر متباينتان، وأن تعتقد وتؤمن في كليهما، وأن تستخدم الحوار ضد المنطق، وأن تعتقد أن الديمقراطية غير ممكنة وفي نفس الوقت تنادي بأن الحزب الحاكم هو حامي الديمقراطية).
وأعطى الباحث مثالاً من الأدب لحال التشظي النفسي، والتفكير الذي يستخدم المنطق ضد المنطق، والمعرفة وعدم المعرفة في اللحظة ذاتها، ب(مسرحية يوم من زماننا) لسعد الله ونوس، التي يرى فيها ممثل السلطة ضرورة إلغاء المفردات (الرشوة، النهب، الفساد، النصب والاحتيال، الإثراء)، واستبدالها بمفردات (المنفعة، العمولة، الربح، اقتناص الفرص، العصامية، المرونة، العلاقات العامة).
ولم ينس د. آدم وهو الأديب الذي يكتب في شؤون السياسة أن يورد قصة (فيل السلطان)، الشائعة في الموروث القصصي للمجتمعات الإفريقية خاصة في السودان، كدلالة على الاستعداد للاستعباد ودمار النفوس. وأورد في هذا السياق مقولة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما (أسوأ ما يتركه الطاغية ليس الخزائن الفارغة بل النفوس المحطمة) ص 27.
ويقول الباحث إن صفحات التاريخ تنبئ أن ظاهرة العنف واستخدام القوة قديمة في حياة بعض البشر وثقافتهم، توارثوها ضمن موروثاتهم، وأن دويلات وممالك نشأت بمنطق القوة والعنف، منها أمريكا الدولة العظمى في عالمنا المعاصر، حيث أباد رعاة البقر الآلاف من الهنود الحمر، ليشيدوا ناطحات السحاب والمدن الكبيرة رغم المقاومة التي أبداها الهنود للدفاع عن ثقافاتهم وموروثاتهم.

حكام بعد الاحتلال (الاستعمار)
(بعد انقضاء حقبة حركات التحرر الإفريقية، تولّت السلطة في العديد من البلدان طبقة من أبناء إفريقيا نفسها، استغلوا كل الوسائل لتمكين أنفسهم والبقاء أطول فترة ممكنة في الحكم، باستغلال القبيلة والعسكر والدين، لإحكام قبضتهم على المجتمع (الشعب). واعتمد بعضهم على من ادعوا أنهم شيوخ وفقهاء، ولهم قوة خارقة والسحر والجن والرياح وما إلى ذلك) ص30.
وبذلك أصبحت قضية الحكم مرتبطة بمفاهيم بعيدة عن التنمية والاستقرار والسلام، كرّست لثقافة العنف والقوة بشكل مباشر أو غير مباشر.
ويرصد دكتور آدم صوراً من الفساد في بعض دول القارة، ومن أمثلة ذلك أن نيجيريا ربحت من نفطها 400 مليار دولار منذ الاستقلال، أساءت استخدام 380 منها، وأن الحكومات الإفريقية تعطي الأولوية في ميزانياتها وأنشطتها لوزارات الدفاع والأمن، وتنسى الأرض المنتجة والاستثمار في التعليم، وهي ترى الفقر الطاحن يعم شعوبها، وأن إفريقيا ظلت خانعة زمناً طويلاً تحت الاحتلال، منذ تجارة الرق، المجردة من الإنسانية. ودعا الباحث الأفارقة إلى شق طريقهم الخاص، واستعادة إيمانهم بأنفسهم، وتشكيل هويتهم الخاصة، وممارسة الحكم بعدالة وشفافية ومسؤولية، وممارسة ثقافاتهم وجعلها وثيقة الصلة باحتياجاتهم اليومية، مذكّراً بأنهم لم يعودوا بحاجة أن يكونوا مدينين مالياً وفكرياً وروحياً لأولئك الذين حكموهم ذات يوم.
وتساءل الباحث ماذا نقول وهناك دول في قارة إفريقيا، حتى يومنا هذا لا تملك عملتها الخاصة وتخضع للعملة الفرنسية، وهي 14 دولة! والمثقفون فيها يتفرجون خلف الحركات المسلحة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.