كوة النسيان

صحيفة الهدف

د. أشرف مبارك
#ملف_الهدف_الثقافي
نعم، غربة كهذه يمكن أن تتحول إلى مقبرة للأحلام. خمسة أشهر فقط كانت كافية لتهزم رجلاً قاوم سنوات الفقر والخوف.
لم يأتوا إلى هذه البلدة بحثاً عن وطن، بل فراراً من لهب كان يلتهم الجدران والأسماء، وقهر يستلب الأرواح. حين عبروا الحدود حرصت امرأته مع تقوس ظهرها أن تضع قبضة من تراب في أكياس هي آثار أرجلهم على الأرض وتدفنها هناك. حين عبروا الحدود كانوا كمن يضع قلبه في كيس ويرجوه ألا ينفجر.
البيت الطيني الذي احتموا به عند طرف البلدة، كان يشبههم. مائل، صامت، بلا نوافذ حقيقية، فقط كوات تسمح للريح أن تئن من خلالها. الريح لم تكن باردة ولا حارة فالوقت كان قبيل الخريف. كانت متقلبة وتحمل في هبوبها رائحة المطر الذي كان قد سبق إلى أرض خلفهم، ورائحة البيوت التي خلفوها، ورائحة الجوع والمرض اللذين من حولهم.
في الليالي الأولى كان الرجل يمشي حافياً فوق تراب الغرفة، كأنه يتتبع خطى. كلما سألته زوجته: – أين تمضي؟ أشار إلى السقف وقال: – هناك شيء ناقص.
كانت الرحلة طويلة وهم يخلفون حياتهم وراءهم. من مدينة إلى مدينة ومن قرية إلى قرية. حملوا ما خف وزنه وليس ما غلا ثمنه والذكريات. كان الرجل يتهدل شيئاً فشيئاً. تعب من مقاومة الريح. ازداد تقوس ظهره. لم يشتكِ، لكنه حين يمرر أصابعه فوق جبينه، تنزلق ببطء كأنما يحاول محو فكرة.
الأولاد انتُزعوا من أيامهم كما تُنتزع الأوراق اليابسة من الشجر. الكبير لا يعود إلا حين يلفظ السوق أنفاسه في الليل. يقضي النهار كله واقفاً على بقايا كرتونة، يبيع ما تيسّر مما لا يحتاجه الجائعون ولا يسأل عنه شبعان. وجهه فقد طراوته، وصوته صار كأنه قادم من مكان بعيد.
يعود بعد المغيب، كأنه عائد من معركة بلا رايات. يحاول أن يضحك لأمه، لكنه لا يجد شيئاً مضحكاً في هذا العالم.
الصغير غاب أو لم يستطع اللحاق بهم، قيل إنه رُؤي يحمل بندقية أطول من قامته، ثم اختفى في ضباب أخبار الحرب المبعثرة. وقعت الكلمات على الأب كحجر في بئر. وغاب نظره نحو لا شيء كأنما يرى شيئاً لا يراه الآخرون.
في إحدى الليالي، حين جلس بجانبها وهو يفرك قدميه المتشققتين، قالت له بصوت منخفض، كان أشبه بالهمس:
– أبوك لم يعد كما كان. صار بعد أن يسأل عنكم، يسأل عن أمه وأبيه، وعن الكثير من الراحلين. لم يعد يأكل ولا يشرب إلا إذا أجبرته.
المرض لم يكن له اسم، وبالطبع لا علاج. هو ثقل الجسد وإنهاك يأكل الروح. غارت عيناه اللتان تحدقان في الـ لا شيء والتصق جلد الوجنتين بالعظام. مرة قال: – هل يمكن أن نعود أم أن الدرب نسي أسماءنا؟ نال منه الوهن حتى بات لا يقوى على رفع رأسه من الوسادة المهترئة. كان يأبى عندما كانت فيه القدرة أن يذهب إلى الوحدة الصحية ولا حتى مساعدة عربات المنظمات الصحية. فقط كان نظره شاخصاً إلى الكوة المفتوحة. لم يعد يتكلم.
ذات فجر لم يستيقظ. لم يصدر صوتاً أو يتأوه. فقط غادر. وجهه كان موجهاً ناحية الكوة التي كان ينظر إليها وكأنه خرج منها.
جلست المرأة بجانبه. لم تبك. وضعت كفها على صدره، كأنها تنتظر رجفة أخيرة. لم تأت. ولعلها انتظرت أن يسألها: هل جاء خبر من الأولاد؟ لكنه لم يتحرك. أثره مدفون هناك عند الناحية الأخرى من الحدود.
يونيو ٢٠٢٤

#سيرة_الإنسان_حين_يصارع_الأوغاد

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.