أنا من؟ من أنا؟

صحيفة الهدف

آدم كوداري
#ملف_الهدف_الثقافي
سؤالان ظلا يطاردانني كما تطارد القذائف سماء كادقلي. لا إجابة واضحة، ولا مرآة صافية في هذا المكان الذي فقد كل أشكال الانعكاس.

اسمي رسميًا: آدم محمد
لكن في المدينة، الناس يعرفونني بأسماء أخرى: “كوداري “، “الولد الداير الحقيقة”، وأحيانًا “المجنون”.

أعيش في طرف المدينة، في بيت نصفه سقط من قذيفة، ونصفه الآخر متماسك ببركة دعاء جدتي . جدتي التي اختفت في السوق ذات ظهيرة مشؤومة ولم تعد. تركت لي قفة من الحكايات، وشبه ابتسامة لم تكتمل.

كنت في التاسعة عشرة حين انفجرت الحرب حولنا مثل حريق في حقل جاف.
لم أكن جنديًا، لم أحمل بندقية، لكنني كنت هناك… أركض، أختبئ، أبحث عن أي شيء يفسر لي ما يحدث.
أحمل دفتري، أسجل فيه أسماء الشوارع التي اختفت، الوجوه التي تغيرت، والأصوات التي لم تعد تطربني بل تفزعني.

في كادقلي، لا يُقاس العمر بالسنوات، بل بعدد الليالي التي نجوت فيها من الموت.
وهكذا كبرتُ… بلا مرآة، بلا تاريخ، بلا يقين.

في أحد الأيام، وجدت طفلاً عند أطراف سوق ، يبكي.
اقتربت منه، سألته: “ما اسمك؟”
أجابني بنبرة مكسورة: “أنا؟… ما بعرف.”
حملته بين ذراعيّ، ونظرت إلى السماء.
للحظة، شعرت أننا متشابهان تمامًا: نحن أبناء الحرب، أبناء الفقد، أبناء السؤال.

أخذته إلى بيتي المكسور، تقاسمنا خبزًا يابسًا وبعض الذكريات.
سألني بعد أيام: “إنت منو؟”
ضحكت بمرارة، ثم قلت: “أنا من؟ من أنا؟ ما عارف بالضبط… لكن يمكن نلقى الإجابة سوا.”

بدأنا نخط رسومات على الجدران، نكتب أسماء لأماكن نحلم بها:
“شارع الأمان”، “بيت الضحك”، “مدرسة الحُب”…
مدينتنا الخاصة داخل مدينة تحترق.

ذات مساء، سمعنا انفجار دون إنذار…
ركضت به إلى الملجأ الصغير ، ثم عاد إليّ السؤال القديم:
“لو مت الليلة… هل حيعرفوني؟ هل حيقولوا: ده آدم ؟”

فكرت للحظة… ثم أدركت أن الأسماء لا تعني شيئًا.
من أنا؟
أنا من لا يزال يحتفظ ببقايا إنسانية في قلب محروق.

أنا من يعلّم طفلًا أن يرسم، لا أن يطلق النار.
أنا من يبني مدينة من الطباشير على جدار منهار.

أنا “أنا”… لأنني اخترت أن لا أكون مثلهم.

في نهاية الحرب… أو في استراحة منها…

ربما نكتب على بوابة المدينة:
“هنا عاش أناسٌ لم يعرفوا من هم… لكنهم بقوا بشرًا.”

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.