طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
ليست الأزمات الكبرى لحظات يختبر فيها ما تملكه الأمم من سلاح وقدرة على الصمود فحسب؛ إنها، قبل ذلك وبعده، لحظات يختبر فيها وعيها بمصيرها، وقدرتها على تحويل المحنة إلى بداية جديدة. وحين تواجه الأمة العربية هذا الامتحان الوجودي، وسط الحروب والتدخلات الخارجية والتفاوت الاقتصادي والتبعية التكنولوجية والغذائية، يصبح السؤال أعمق من البحث عن مواقف سياسية متفرقة: هل تستطيع أن تبني من مواردها المتباينة قوة اقتصادية مشتركة، تحمي قرارها الوطني، وتصون كرامة إنسانها، وتمنح استقلالها السياسي مضمونا مادياً قابلا للاستمرار؟
من هنا تكتسب قضية الاستثمار في السودان، والتكامل الاقتصادي العربي، أهمية تتجاوز حدود الاقتصاد بمعناه الفني. إنها قضية تتصل بطبيعة المشروع النهضوي نفسه: أي اقتصاد نريد؟ ولمن ننتج؟ وكيف نوزع ثمار الإنتاج؟ وهل تكون الثروة وسيلة لتحرير الإنسان وتطوير المجتمع، أم تتحول إلى مورد تتنافس عليه المصالح الضيقة، بينما تظل الجماهير خارج دائرة القرار والمنفعة؟
تنطلق هذه القراءة من فرضية أساسية مفادها أن موارد السودان لا تتحول إلى قوة تنموية بمجرد جذب الاستثمارات، كما أن التكامل الاقتصادي العربي لا يتحقق بمجرد زيادة التبادل التجاري، فكلاهما يحتاج إلى بناء سلاسل إنتاج مشتركة، وتوطين المعرفة والتكنولوجيا، وتطوير المؤسسات، وضمان توزيع عادل للمنافع. ومن هنا، فإن الرهان ليس على استثمارٍ أكثر فحسب، بل على استثمار ينتج قدرة وطنية، ويعزز المصالح العربية المشتركة، ويمنح الإنسان موقعا أصيلا في معادلة التنمية.
إن السودان، بما يمتلكه من موارد زراعية وحيوانية ومعدنية وموقع جغرافي يربط أجزاء من الوطن العربي والأفريقي، يطرح أمام الأمة العربية فرصة استراتيجية، لكنه يطرح في الوقت ذاته سؤالا صعبا، كيف يمكن تحويل الإمكانات إلى إنتاج، والإنتاج إلى تنمية، والتنمية إلى استقلال في القرار؟ فالموارد الطبيعية لا تصنع النهضة من تلقاء نفسها، كما أن وفرة رأس المال لا تضمن التنمية إذا غابت المؤسسات الفاعلة، واستقرّت أنماط الفساد، وضعفت البنية الإنتاجية، وانفصلت القرارات الاقتصادية عن حاجات المجتمع.
أولاً: السودان بين وفرة الموارد وأزمة تحويلها إلى إنتاج/
تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن السودان يمتلك نحو 73.5 مليون هكتار من الأراضي المناسبة للزراعة، لا يُستغل منها سوى جزء محدود وفق البيانات المنشورة للمنظمة. كما تمثل الزراعة والثروة الحيوانية مصدرا رئيسيا للغذاء والدخل لشريحة واسعة من السكان. غير أن وفرة الموارد لا تعني تلقائيا تحقق الأمن الغذائي أو قيام قاعدة صناعية متكاملة، فذلك يتوقف على الإنتاجية، وتوافر المدخلات والتمويل والطاقة، وكفاءة النقل والتخزين والتصنيع، وقدرة المؤسسات على ربط المنتجين بالأسواق. وقد كشفت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 حجم هشاشة هذه الروابط، وألحقت أضرارا بالإنتاج والبنية التحتية وسبل العيش.
إن أولى الفرص الاستثمارية في السودان ليست بالضرورة في المشروعات الأكثر ضخامة أو الأسرع ربحا/ وإنما في القطاعات القادرة على استعادة الحياة الاقتصادية وتكوين روابط إنتاجية واسعة. فالاستثمار الزراعي، مثلاً، لا ينبغي أن يتوقف عند زراعة الأرض وتصدير المحصول خاما، بل يمتد إلى البذور المحسنة، والري، والطاقة، والتخزين، والنقل، والتصنيع الغذائي، والتعبئة، والتسويق. وكل حلقة تضاف إلى سلسلة الإنتاج تعني فرص عمل جديدة، وقيمة مضافة أكبر، وقدرة أوسع على الاحتفاظ بجزء من عوائد الموارد داخل الاقتصاد الوطني.
وتبرز في هذا المجال محاصيل مثل السمسم والفول السوداني والذرة الرفيعة وفول الصويا والكركديه والصمغ العربي، إلى جانب الثروة الحيوانية ومنتجاتها. وقد حدد تحليل حديث لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومركز التجارة الدولية هذه المنتجات ضمن سلاسل القيمة ذات الأولوية لاستعادة سبل العيش والتجارة في السودان. لكن تحويل هذه الأولويات إلى فرص استثمارية فعلية يتطلب تقييم الأوضاع الأمنية، وتوافر المياه والمدخلات، وكلفة النقل، وإمكان الوصول إلى الأسواق، وقدرة المنتجين على التمويل.
ومع ذلك، فإن تحديد سلاسل القيمة ذات الأولوية لا يعني صلاحية جميعها للاستثمار الفوري في كل مناطق السودان. فلكل سلسلة متطلباتها من التمويل والمدخلات والطاقة والتخزين والنقل، كما تختلف فرصها باختلاف الوضع الأمني والمناخي وقرب الأسواق. لذلك ينبغي أن تبدأ عملية الاختيار بتقييم محلي يحدد مواضع الإنتاج الممكن، وحجم الفاقد، وحاجات المنتجين، والعائد المتوقع، ومخاطر المشروع، ثم يربط التمويل بالنتائج القابلة للقياس.
ومن هنا يمكن أن تنشأ شراكات عربية في الزراعة التعاقدية، والتخزين المبرد، ومطاحن الحبوب، واستخلاص الزيوت، وتصنيع اللحوم والألبان، وتطوير الصمغ العربي، وإنتاج الأعلاف، والخدمات البيطرية. ولا تكمن القيمة في استقدام رأس المال وحده، بل في ربطه بالخبرة التقنية، وتدريب العمالة السودانية، وتطوير الموردين المحليين، وبناء صناعات تستطيع الاستمرار بعد انتهاء المشروع الأول.
ولا تكتمل جدوى الشراكات الزراعية بمجرد زيادة الإنتاج أو التصدير، بل ينبغي أن تتضمن عقودا واضحة تحفظ حقوق المنتجين المحليين، وتحدد أسعار الشراء أو آليات احتسابها، ومواصفات المحصول، وشروط السداد، ومسؤوليات توفير المدخلات، وتسوية النزاعات. كما ينبغي صون حقوق حيازة الأرض واستخدام المياه، والتشاور مع المجتمعات المتأثرة، ومنع أن تتحول الحاجة إلى التمويل إلى وسيلة لانتزاع الأرض أو إضعاف قدرة المنتجين على التفاوض. فالشراكة التي توسع الإنتاج وتضعف المنتج المحلي قد تحقق عائداً تجارياً قصير الأجل، لكنها لا تؤسس بالضرورة تنميةً مستقرة أو عادلة.
أما الثروة المعدنية، فتحتاج إلى رؤية تتجاوز استخراج الخام وتصديره. فالمطلوب هو تعزيز الشفافية في التراخيص والعقود، ومكافحة التهريب، وتحسين الرقابة البيئية، وتطوير الخدمات والصناعات المرتبطة بالتعدين حيث تسمح الجدوى الاقتصادية بذلك. فليس من التنمية أن تتضاعف قيمة الموارد المستخرجة بينما تبقى المجتمعات المحيطة بها محرومة من الخدمات وفرص العمل، أو أن تتحول الثروة إلى مصدرٍ للصراع بدلاً من أن تكون رافعةً للاستقرار.
وتأتي الطاقة في قلب هذه المعادلة؛ فالزراعة والصناعة والتخزين والتبريد لا يمكن أن تنهض من دون طاقة موثوقة ومعقولة التكلفة. ويمكن للطاقة الشمسية أن تدعم الري والتبريد وتشغيل المنشآت الصغيرة، ولا سيما في المناطق التي تضررت فيها إمدادات الكهرباء. غير أن توسيع استخدامها يتطلب أكثر من استيراد الألواح والمعدات؛ إذ يحتاج إلى تمويل ميسر، ومكونات موثوقة، وفنيين مدربين، وخدمات صيانة، وإجراءات جمركية ونقل أكثر كفاءة. وقد أبرزت دراسة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي نُشرت في مايو 2026 هذه المعوقات، ما يجعل الاستثمار في منظومة الطاقة الشمسية وسلاسل توريدها وصيانتها جزءاً من التعافي الإنتاجي، لا مجرد توفير معدات بديلة للكهرباء.
لكن ينبغي قول الحقيقة كاملة: السودان في هذه المرحلة ليس بيئة استثمارية عادية. فالحرب ومخاطر الأمن، وتذبذب العملة، وضعف التمويل، وتعطل البنية التحتية، وتفاوت السيطرة والقدرة الإدارية بين المناطق، كلها عوامل ترفع المخاطر وتحد من إمكان تنفيذ مشروعات طويلة الأجل. لذلك لا يصح تقديم فرص الاستثمار وكأنها ضمانات للربح، بل ينبغي تصنيفها وفق درجة المخاطر، والبدء حيث تسمح الظروف، وحماية العاملين والمجتمعات، وربط التوسع بتحسن الأمن والقدرة المؤسسية.
يتبع لطفاً،،،،،،،،،،،،،،،،

Leave a Reply