كتب رئيس التحرير لماذا فاز دا سلفا برئاسة رابعة وما دلالاته؟

صحيفة الهدف

▪️علينا هزيمة رغبة الأمريكيين في حكم البرازيل، ليس بانقلاب عسكري وإنما بمباركة رئيس جمهورية، ليس بإسقاط الدكتاتورية، وإنما بإسقاط الفاشية والكذب والنفاق، بهذه العبارة المشحونة برؤيتة للمنازلة الانتخابية خاض لولا دا سلفا غمارها في جولتها الثانية محققًا فوزًا أسطوريًا دحض كل التوقعات وأفشل خطط تحالف أمريكا واليمين البرازيلي المت.صهون. ملخصًا ما توصل إليه  من ضراوة المنازلة الانتخابية في أول تصريحاته بعد الفوز بولاية رئاسية رابعة قائلًا:

علمتني هذه الانتخابات دروسًا كثيرة، من أهمها أن أتحدث وأتواصل مع الشعب، من الآن وصاعدًا. واستطيع أن أؤكد لكم، نستطيع أن نغير طريقة كيف يحكم هذا البلد.

أؤكد لكم سنجعل مشاركة الشعب أوسع في صنع قراراتنا).

بهذه العبارات الواثقة والواعدة تحدث الرئيس البرازيلي لولا دا سلفا بعد فوزه الملحمي والتاريخي، ليكون بذلك أول برازيلي عامل يحظى بالرئاسة ولأربع ولايات متقطعة، وكأول رئيس يحظى بالفوز  رغم خسارته في الجولة الأولى للانتخابات العامة في أكبر بلدان القارة اللاتينية ومن أكبر اقتصادياتها.

▪️تستكمل تلك العبارات مدلولاتها السياسية والمستقبلية بما أدلى به عبر أول تصريح له بعد الفوز الانتخابي حين قال (البرازيل لن تكون حديقة خلفية لأحد)، وكلا العبارات لا يمكن المرورعليهما مرور الكرام. أو محاصرتهما بلحظة الزهو والأجواء الاحتفائية الجماهيرية التي قيلت فيها. كيف لا وقد صدرت من قائد متمرس موصوف منذ أن كان عاملًا وقائدًا نقابيًا، في مقتبل العمر، بالشجاعة  والإيمان المبدئي المقترنة بها وبالاستبسال في الدفاع عن القضايا التي يؤمن بها، والاستعداد الدائم للمبادرة والتضحية في سبيلها رغم تقدم العمر، التي غالب الظروف الداخلية والخارجية، غير المؤاتية، بقطع شوط طويل في إنجازها وفي عدة جبهات، بدأه منذ تسنمه الرئاسة لأول مرة، وفي صدارتها، العدالة الاجتماعية، الاستقلالية السياسية والاقتصادية، الحرص على استدامة الديمقراطية التعددية بالتطور الاقتصادي والتنمية المتوازنة،التي أخرج بها ملايين البرازيلين من دائرة الفقر المدقع والتوسع في التعليم المدعوم في كل المراحل، بافتتاح عشرات الجامعات ومكافحة البطالة وتأثيراتها الاجتماعية، وحماية البيئة، وتوطين طريق اقتصادي متعدد القطاعات ومتوازن… الخ التي تظهرها العديد من التقارير والمؤشرات ذات المصداقية. بالتزامن مع مقارعة الدكتاتورية والتدخلات الخارجية، لا سيما الأمريكية و”الصهيونية” ، التي عززها بحماية حقوق الإنسان  والمواطنة متساوية الحقوق، واستقلال القضاء ومكافحة مافيا الفساد وكارتيلات المخدرات والس.لاح وغسيل الأموال والاتجار بالبشر، ودعم قضايا التحرر اللاتيني وعلى نطاق العالم، التي تبرزها صلابة مواقفه من توجهات الهيمنة الأمريكية “الصهيونية” تجاه القارة الجنوبية، ودوره البارز في تأسيس تكتل البريكس، ومن الاحتلال “الصهيوني” لفلسطين، إذ سبق لولا دا سلفا محكمة العدل الدولية، في وصف الج.رائم التي ارتكبتها “إسرائيل” في غزة بالاب.ادة الجماعية. إضافة إلى العديد من المواقف العملية، منها انضمامه إلى الدعوة الرسمية التي قدمتها جنوب إفريقيا ضد “أسرائيل” في محكمة العدل الدولية 2025. وطرد السفير “الاسرائيلي” واعتباره شخصًا غير مرغوب فيه، وسحب سفير بلاده من فلسطين المحتلة.

▪️العبارات الصادرة عن قائد متمرس في النضال والحكم، الذي استطاع أن يشكل أول حزب اشتراكي في أكبر بلدان أمريكا الجنوبية. تنم عن إدراك بالموقع الجيوسياسي للبرازيل وقراءة مواكبة للواقع الاقتصادي والاجتماعي البرازيلي، وموازين القوى ومؤثرات تشكلها، الذي أظهرت الجولة الثانية ما يمور في أعماقه، وكيف استطاع بجماهيريته، خلال ثلاثة أسابيع، أن يخرج أصوات ملايين الصامتين  وغير المكترثين، لاسيما وسط الشباب والنساء، إلى صناديق الانتخابات، والدور المرجح لكتل وتيارات الشباب التي استطاعت بمبادرات فعالة، في زمن وجيز أن تبطل سحر المنصات الرقمية والبلديات الموالية لليمين ولعائلة آل بولسونارو، ودراية بشبكة المصالح والامتيازات التي تنبئ بها أوزان التحالفات السياسية التي ترجح ميلها لكفة  تركيبة اليمين  المدعوم أمريكيًا وص.هيونيًا، المتغلغل في أجهزة الدولة والقارة الجنوبية على السواء، إضافة إلى تمتعه العددي بالأغلبية النيابية في المجلسين ( البرلمان والشيوخ)، الذي تشكل عائلة آل بولسونارو واجهته العريضة.

وبكل الحسابات، يعد فوز لولا دا سلفا، الذي تعامل مع الهاتف الجوال لأول مرة، زلزالًا انتخابيًا، يتخطى ما هو برازيلي إلى ماهو قاري ودولي، لم يهزم في هذه المنازلة، ممثل اليمين التبعي وتحالفاته، في البرازيل، الذي راهن على الدعم الأمريكي المتواصل لتمكينه من السيطرة على المجتمع وأجهزة الدولة والبلديات، وتذكية الانقسام المجتمي فحسب، وإنما هزيمة لجذوره في القارة وامتداداتها الخارجية، ولفت نظر لمخاطره على الاستقلال الوطني واستقرار المجتمعات وحقها في أن تقرر مصائرها، وأن تقبلها على مضض، فإنه لن يستسلم.

▪️ لقد أدخل الفوز/الهزيمة، الصراع السياسي والاجتماعي والاقتصادي البرازيلي – الجنوبي إلى مرحلة جديدة من الاحتدام، وعلى نطاق العالم بدرجات.

فكيف تكون عبارة ( أؤكد لكم نستطيع أن نغير طريقة كيف يحكم هذا البلد ومشاركة أوسع للشعب في صنع القرارات) التي أطلقها دا سلفا حقيقة حية وواقع تتمتع به الفئات التي جعلت فوزه ممكنًا على أقل تقدير؟ في ظل ميزان القوي النيابي المختل عدديًا، والمرحلة الجديدة التي ولجها احتدام الصراع، وبالحفاظ على استدامة الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية واستقلال القرار الوطني واحترام الموسسات.

▪️ليست احتفالات الفوز الجماهيرية واستمرارها واتساع نطاقها إحدى تجليات زلزال الفوز الملحمي، فقد جاء صعود الكتلة الطلابية في انتخابات صربيا وخسارة حليف نتن.ياهو، أول بارقات تأثيره خارج الحدود، كما عدها كثير من المراقبين، مقرونة بتصريح الرئيس الإسباني، الذي تتأهب بلاده للانتخابات العامة المبكرة في 29 نوفمبر / تشرين الثاني، القادم (انتصار عظيم للولا ما حدث في البرازيل سيحدث في إسبانيا، والنتيجة تمثل بداية عودة التيارات التقدمية إلى تحقيق الانتصارات السياسية حول العالم) حسب صحيفة الغارديان البريطانية.

فيما قالت النائبة الفلسطينية الأصل في البرلمان الأوربي، ريما حسن، (أن التعبئة الشعبية قادرة على التصدي لليمين المتطرف والفاشية).

▪️ولم يفوت جوليان أسانج مؤسس موقع ويكليكس هذا الحدث قائلًا( عندما كان الرئيس لولا دا سلفا خارج السلطة ناضل من أجل حريتي، وعندما وصل إلى السلطة ناقش اضطهادي مع البابا فرنسيس  مضيفًا من دون القدرة على قول لا لواشنطن وتل ابيب، لا يمكن أن تكون هنالك سياسة داخلية مستقلة). فيما وصف فوزه الرئيس الكولمبي السابق، الذي يعد من دا سلفا من أبرز الرؤساء المدافعين عن القضية الفلسطينية وإدانة ج.رائم الاحتلال بقوله (النتيجة انتصار للإنسانية وهزيمة استراتيجية لقوى اليمين المتطرف والفاشية في أمريكا اللاتينية).

إعلان دا سلفا تعلمه الكثير من الدروس من منازلة الانتخابات، دعوة صريحة للقوى الحية، السياسية والاجتماعية والشبابية، على النطاق العربي والإفريقي، والسوداني، بشكل خاص، إلى التعلم والاعتبار من هذا الدرس البرازيلي، بالمزيد من التواصل مع الشعب، وفئاته الأكثر حيوية واستعدادًا، للنضال السلمي الديمقراطي، باقتران التعبئة بالتنظيم ومواكبة تطورات الالتحام والتواصل الجماهيري.

▪️فوز لولا دا سلفا درسًا بليغًا في اقتران الديمقراطية بالاستقلالية، والاستقلالية بالعدالة الاجتماعية، وبالوظيفة الاجتماعية للدولة واحترام حقوق الإنسان. وأن الفوز الرئاسي بداية جديد للمعركة.

سئل نابليون عن سر انتصاراته في معاركه الأخيرة فأجاب (كنت أحث الجنود على الصمود حتى ربع الساعة الأخير من المعركة)

فقيل له وكيف تعرف ربع الساعة الأخير

فأجاب : لا أعرف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.