أكتوبر: تاريخ الوطن… ذاكرة المدينة، وحكاية الأُسرة

صحيفة الهدف
د. حنان الهادي

ليست كل الثورات أحداثًا تنتهي حين تهدأ الشوارع وتُطوى صفحات الأخبار. فبعضها يظل حيًا في ذاكرة الشعوب، يتسلل إلى الأغنيات والأسماء، وإلى حكايات البيوت، ويعبر من جيل إلى آخر حتى يصبح جزءًا من وجدان أمة.

وهكذا كانت ثورة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964 في السودان.

ففي أواخر ذلك الخريف، خرجت من جامعة الخرطوم شرارة سرعان ما امتدت إلى الشوارع والمدن، حين تحولت ندوة طلابية تناقش قضية جنوب السودان إلى مواجهة مع السلطة العسكرية. وسقط الطالب أحمد القرشي طه، فصار اسمه رمزًا للحظة تجاوز فيها الحزن حدود الجامعة، واجتمع حولها الطلاب والعمال والمهنيون وقطاعات واسعة من الشعب السوداني. وبالإضراب السياسي والمظاهرات، انتهى الحكم العسكري الأول بقيادة الفريق إبراهيم عبود.

لكن أكتوبر لم تتوقف عند ذلك الانتصار. فقد بدأت، منذ أيامها الأولى، حياة أخرى في وجدان السودانيين.

كان للشعراء والفنانين دور استثنائي في تحويل الحدث إلى ذاكرة جماعية. كتب محمد المكي إبراهيم «أكتوبر الأخضر»، وغنّى محمد وردي قصائده التي منحت الثورة صوتًا بقي حاضرًا عبر الأجيال. ومن كلمات محمد الفيتوري صدح وردي بـ«أصبح الصبح»، فأصبحت الأغنية جزءًا من التعبير السوداني عن الحرية والأمل. وجاءت «ملحمة الثورة» لتجمع أصواتًا فنية متعددة في عمل ظل من العلامات المميزة للغناء الوطني.

لم تكن تلك الأعمال مجرد أغانٍ ارتبطت بمناسبة تاريخية؛ لقد منحت أكتوبر لغة عاطفية مشتركة. يستطيع السوداني أن يسمعها بعد عقود، فيستعيد شيئًا من الفرح والفخر، وربما شيئًا من الحلم الذي لم يكتمل.

ولم يتوقف هذا الإرث الثقافي عند جيل أكتوبر، بل امتد إلى أجيال جاءت بعده، وجدت في الجامعات والمدارس مساحات لإعادة اكتشاف الثورة والتعبير عنها. وكانت جمعية حنظلة الثقافية بجامعة الجزيرة واحدة من تلك المساحات التي ظلت تحتفي بأكتوبر بالكلمة والمسرح والغناء، وتمنح ذكراها حياة جديدة في وجدان الطلاب.

ولعل من أجمل ما تركته أكتوبر أنها لم تسكن الأغنيات وحدها، بل دخلت البيوت أيضًا.

فقد عرفت منذ طفولتي أن اسم شقيقتي الكبرى «انتصار» لم يكن اختيارًا عابرًا. كانت أمي قد اختارته احتفاءً بانتصار ثورة أكتوبر التي شاركت في مظاهراتها بمدينة الدلنج. ومع مرور السنوات، لاحظت تكرار الاسم بين زميلات أختي وفتيات من الأسرة الممتدة، ممن وُلدن في سنوات الثورة أو بعدها.

كان ذلك تعبيرًا بسيطًا وعميقًا في آن واحد عن فرحة شعب أراد أن يحتفظ بلحظة انتصاره، حتى في الأسماء التي ينادي بها أبناءه.

وللدلنج، المدينة التي وُلدت فيها، حضور خاص في هذه الذاكرة.

فقد كانت تحتضن معهدًا عريقًا لإعداد المعلمين، يقصده الطلاب من مناطق مختلفة من السودان. وكان أهل المدينة ينظرون إلى هؤلاء الشباب بوصفهم جزءًا من مجتمعهم، لا مجرد طلاب يقيمون فيه لسنوات الدراسة.

كانت أمي تحكي كيف كانت النساء يخرجن كلما خرج طلاب المعهد في المظاهرات، خوفًا عليهم من الاصطدام بالعسكر، ومحاولة لحمايتهم ومساعدتهم.

وأتوقف اليوم طويلًا عند هذه الصورة: أمهات يخرجن لحماية شباب جاؤوا من أنحاء السودان، لا تربطهن بهم بالضرورة صلة دم، لكنهن يشعرن تجاههم بمسؤولية لا تقل عن مسؤولية الأم تجاه أبنائها.

كم كان الانتماء في تلك اللحظة واسعًا، حتى اتسعت معه حدود الأسرة لتشمل أبناء الوطن!

وفي الدلنج أيضًا عاش ودرس أحمد القرشي طه، قبل أن يصبح اسمه مرتبطًا بثورة أكتوبر. وعلى مقربة من حينا كان حي القراصة، حيث تقيم أسرته الممتدة. كنا نعرف أهل الحي ونزورهم، ثم جمعتني مقاعد الدراسة الابتدائية بأسماء أحمد المصطفى طه، إحدى قريبات الشهيد، التي كانت تسكن في البيت نفسه الذي سكنه القرشي خلال سنوات دراسته بالدلنج.

وهكذا لم يكن القرشي بالنسبة إليّ مجرد صورة في كتاب التاريخ، أو اسمًا يتردد في نشيد وطني. كان له بيت نعرفه، وأهل نزورهم، وحي قريب يحمل شيئًا من سيرته.

ومرت السنوات، وانتقلتُ إلى جامعة الجزيرة، حيث وجدت أكتوبر حاضرة بصورة أخرى داخل جمعية حنظلة الثقافية، التي كنت عضوة فيها ضمن المسرح والكورال.

كان أكتوبر موسمًا ثقافيًا تنتظره الجامعة. تستعد له حنظلة بإصدار خاص من جداريتها، وبالندوات والأمسيات الشعرية والعروض المسرحية والليالي الموسيقية. وكانت تلك الأنشطة تجمع الطلاب بالمثقفين والفنانين، وتفتح أبواب النقاش حول الأدب والفكر والتاريخ وقضايا المجتمع.

في تلك المساحات، لم تكن ذكرى أكتوبر مجرد احتفال بحدث مضى، بل كانت فرصة متجددة للتعبير والإبداع وتبادل الأفكار. وكان جيل لم يشهد الثورة يشارك، بطريقته، في إبقاء ذاكرتها حية.

غير أن أغنية واحدة من أغنيات أكتوبر كانت تلامس في داخلي مكانًا مختلفًا.

«وكان القرشي شهيدنا الأول».

كلما رددناها في الكورال، كانت تعود بي إلى الدلنج؛ إلى حي القراصة، وإلى بيت أسماء، وإلى حكايات القرشي الطالب الذي سار يومًا في شوارع مدينتنا.

ثم تأخذني إلى أمي.

كنت أتخيلها شابة وسط مظاهرات أكتوبر، تتقدم الطلاب أو تتوسطهم، تحاول أن تحميهم كما كانت تحكي لنا. لم أشهد ذلك المشهد، لكنني حملته في خيالي حتى أصبح جزءًا من ذاكرتي أنا أيضًا.

وربما لهذا لم تكن الأغنية بالنسبة إليّ مجرد كلمات نؤديها على المسرح. كانت تصل بين تاريخ الوطن وذاكرة المدينة وحكاية أسرتي، في لحظة واحدة.

ولعل تلك هي القدرة المدهشة للثقافة: أن تجعل الإنسان يشعر بأنه عاش شيئًا لم يشهده، وأن تحفظ من التاريخ ما تعجز التواريخ والأرقام وحدها عن الاحتفاظ به.

لقد عاشت أكتوبر في الجامعات والمدارس، وفي أصوات الفنانين، وفي ذاكرة الأمهات والآباء، وفي الأسماء التي حملها الأطفال. وانتقلت من الذين صنعوا أحداثها إلى أجيال لم تعرفها إلا من الحكايات والأغنيات، لكنها وجدت فيها شيئًا من صورتها عن السودان.

وبعد أكثر من ستة عقود، وفي زمن يثقل فيه الحزن على السودانيين، تبدو العودة إلى أكتوبر أكثر من استعادة لذكرى وطنية مجيدة.

إنها استعادة لصورة من صور المجتمع السوداني حين اجتمع حول حلم مشترك، وحين شعر أهل مدينة بمسؤوليتهم تجاه أبناء مدن أخرى، وحين استطاعت الكلمة والأغنية والمسرح أن تمنح الناس لغة يلتقون عندها.

ولا يعني الاحتفاء بأكتوبر تجاهل ما تلاها من تعثرات أو الأسئلة الصعبة التي تركها التاريخ مفتوحة. فالأحلام الكبيرة لا تتحقق كلها في لحظة انتصار، ولا تكفي الأغنيات وحدها لصونها. لكن الذاكرة الثقافية تستطيع أن تحتفظ بالقيم التي تستحق أن تظل حية، حتى عندما تتغير الظروف وتشتد المحن.

واليوم، حين أستعيد صوت الكورال في جامعة الجزيرة، وحكايات أمي في الدلنج، واسم أختي انتصار، أجد أن أكثر ما بقي من أكتوبر ليس صورة المظاهرات وحدها، بل ذلك المعنى الإنساني الذي جعل الناس يشعرون أن مصيرهم واحد.

ربما لهذا لم تغادر أكتوبر وجدان السودانيين؛ لأنها لم تكن مجرد يوم انتصر فيه الناس، بل لحظة رأوا فيها ما يستطيعون أن يكونوه معًا.

وما أجمل أن نحتفل بها اليوم، لا بوصفها ذكرى بعيدة، بل بوصفها وعدًا لا يزال قادرًا على أن يضيء الطريق.

21 أكتوبر 2026

اختصر المقال مع الحفاظ على ذاكرته

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.