طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
منذ أكثر من نصف قرن، رُفع شعار الاستقلال في العواصم العربية، وخرج المستعمر من البوابات الرسمية، ورُفعت الأعلام، وأُقيمت الجمهوريات. لكن السؤال الذي لم يُطرح بجدية حتى اليوم هو: التحرر من ماذا؟
المفهوم التقليدي للتحرر اختزل نفسه في الاستقلال السياسي. وُجدت دولة، وُجد علم، وُجد مقعد في الأمم المتحدة. لكن هل يعني ذلك أن الأمة تحررت؟ أم أن الاستعمار غيّر ثيابه فقط، وانتقل من الاحتلال المباشر إلى أنماط أكثر خفاءً وأكثر فتكاً؟
الإجابة تحتاج إلى جرأة فكرية، حيث لم يكن الاستقلال السياسي نهايةً لكل أشكال التبعية، كما لم يكن مجرد تغيير في شكل الحكم. فقد نالت الأقطار العربية استقلالها في ظروف ومسارات مختلفة، لكن عدداً منها ظل يواجه قيوداً اقتصادية ومعرفية وتقنية تحد من قدرته على اتخاذ القرار وتنفيذ خياراته التنموية. ومن هنا لا يتمثل السؤال في إنكار ما حققه الاستقلال السياسي، بل في بحث ما بقي من قيود على السيادة الفعلية، وكيف يمكن تجاوزها. والمهمة الفكرية المعاصرة ليست إعادة إنتاج خطاب الاستقلال، بل إعادة تعريف التحرر نفسه.
أولاً: وهم الاستقلال — من الاحتلال إلى التبعية: الاستقلال السياسي لم يكن نهاية الاستعمار، بل كان تحوله إلى شكل جديد. فالدولة التي نالت استقلالها الشكلي وجدت نفسها أمام ثلاثة قيود جوهرية: قيد اقتصادي، وقيد معرفي، وقيد ثقافي.
الاقتصاد العربي بعد الاستقلال لم يتحرر، بل بقي مرتبطاً بمراكز الهيمنة العالمية. ومع اختلاف الأوضاع بين الاقتصادات العربية، لا تزال بعض الأقطار تواجه تحدياً يتمثل في الاعتماد المرتفع على صادرات الطاقة أو غيرها من السلع الأولية، وما يرافق ذلك من تعرض للإيرادات لتقلبات الأسعار الخارجية. لكن تشخيص هذه المشكلة يقتضي التمييز بين الدول المصدرة للنفط، والدول المستوردة له، والاقتصادات التي تمتلك قاعدة صناعية أو خدمية متنوعة. فالتبعية الاقتصادية ليست حالة واحدة، وإنما درجات وأنماط مختلفة يمكن قياسها بمؤشرات مثل تنوع الصادرات، والقيمة المضافة المحلية، والاعتماد على الواردات الاستراتيجية، ومحتوى التكنولوجيا في الإنتاج. والعلاقة لم تتغير في جوهرها، بل تغيّر شكلها: من استعمار مباشر ينهب الموارد، إلى علاقة تبعية تجعل الاقتصاد العربي في خدمة الاقتصاد العالمي المهيمن.
وفي المجال الفكري، يمكن طرح سؤال موازٍ: إلى أي مدى امتلك الفكر العربي القدرة على إنتاج مفاهيمه وأدواته المعرفية، وإلى أي مدى ظل مستهلكاً لنظريات وافدة؟ ولا تجيب عن هذا السؤال مقولة التبعية وحدها، إذ ينبغي التمييز بين الاقتباس الخلاق، والتفاعل النقدي، والتلقي الذي يفتقر إلى القدرة على التكييف والإنتاج.
ثانياً: أشكال الاستعمار الجديدة — من الأرض إلى الخوارزمية:
1. استعمار البيانات: أخطر أشكال الاستعمار الجديدة لا يحتاج إلى جنود. يحتاج إلى خوادم. يُسمّى (استعمار البيانات)، حيث تُستخرج بيانات الشعوب كمادة خام، ثم تُنقل لتُعالج في مراكز التكنولوجيا الغربية، وأخيراً تُعاد تصديرها على شكل خدمات وتطبيقات مدفوعة تكرّس التبعية الرقمية. والأخطر من ذلك أن الذاكرة الوطنية والأسرار الأمنية تُخزَّن على خوادم أجنبية تخضع لقوانين دول المنشأ، التي يمكنها انتزاع البيانات عنوةً.
وقد تنشأ مخاطر إضافية عندما تُخزَّن بيانات حساسة أو تُعالج خارج الولاية القانونية للدولة أو المؤسسة المعنية؛ إذ يتوقف مستوى الحماية على القوانين المنطبقة، وشروط التعاقد، وموقع المعالجة، وضوابط الوصول، وقدرة الجهة المالكة للبيانات على التدقيق والمساءلة. لذلك لا يكفي القول إن الخوادم أجنبية لإثبات فقدان السيادة، كما لا يكفي وجود الخوادم محلياً لضمانها. فالمعيار هو القدرة على التحكم القانوني والأمني في البيانات، وحمايتها، وتحديد أغراض استخدامها، ومنع الوصول غير المصرح به إليها. إن امتلاك البيانات أو التحكم في معالجتها قد يمنح قوة اقتصادية وسياسية، لكنه لا يعني امتلاك القرار بصورة مطلقة.
2. الاستعمار المعرفي: تثير بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي مخاوف تتعلق بتمثيل اللغة العربية ولهجاتها وسياقاتها الثقافية، ولا سيما عندما تكون بيانات التدريب محدودة أو غير متوازنة، أو عندما لا تخضع المخرجات لاختبارات كافية على المستخدمين والسياقات المحلية. ولا يعني ذلك أن جميع النماذج المنتجة خارج المنطقة تعجز عن فهم العربية، بل إن جودة أدائها وعدالتها تتوقفان على البيانات، والتصميم، والتقييم، وآليات التصحيح. ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء مجموعات بيانات عربية متنوعة، وتطوير الخبرات البحثية المحلية، واختبار النماذج في ضوء احتياجات المجتمعات التي ستستخدمها.
أما التعليم، فالتحدي لا يكمن في استخدام الأدوات الرقمية الأجنبية بحد ذاته، بل في استخدامها من دون تنمية التفكير النقدي، أو فهم كيفية عملها وحدودها، أو امتلاك القدرة على إنتاج حلول محلية. فالتعليم المتحرر معرفياً هو الذي يجمع بين الاستفادة من التكنولوجيا والقدرة على مساءلتها وتطويرها وتوظيفها بصورة مسؤولة.
3. الاستعمار الثقافي: وقد تتجلى اختلالات العلاقة الثقافية عندما تتركز أدوات الإنتاج والتوزيع الإعلامي والمعرفي في أيدي عدد محدود من المؤسسات، أو عندما تُهمَّش اللغة العربية والإنتاج المحلي في بعض المنصات والأسواق. غير أن التفاعل مع الثقافة الغربية، في ذاته، لا يعني التخلي عن الهوية؛ فقد يكون اقتباساً نقدياً أو تبادلاً معرفياً مثمراً. والسؤال الأهم هو ما إذا كان المجتمع يمتلك القدرة على إنتاج ثقافته، ونقد الموروث والوافد معاً، واختيار ما يلائمه من دون فرض العزلة أو الوقوع في التبعية.
4. التبعية المالية وقيود القرار الاقتصادي: يمكن أن يؤدي ارتفاع أعباء الدين وخدمة الفوائد إلى تقليص المساحة المالية المتاحة للإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار، ولا سيما عندما تتزامن خدمة الدين مع ضعف الإيرادات أو ارتفاع تكاليف الاقتراض. كما قد تؤثر شروط التمويل الخارجي في خيارات السياسة الاقتصادية، تبعاً لطبيعة الاتفاق والظروف التي أبرم فيها. لكن الدين لا يُعد في ذاته دليلاً كافياً على الاستعمار؛ فالأدق هو دراسة استدامته، وكلفة خدمته، وشروطه، وأثره في قدرة الدولة على تمويل أولوياتها التنموية. ومن هنا يصبح التحرر المالي تعزيزاً للقدرة على إدارة الدين، وتوسيع القاعدة الإنتاجية والإيرادية، وتحسين التفاوض، وحماية الإنفاق الاجتماعي الضروري، لا مجرد رفض الاقتراض الخارجي.
ثالثاً: تجربة العراق — برهان على أن التحرر الشامل ممكن: لكن الحديث عن التحرر لا يمكن أن يبقى في مستوى النقد والتشخيص. لا بد من برهان تاريخي يثبت أن الأمة العربية قادرة على التحرر الشامل، وأنها أنتجت — في مرحلة من مراحل تاريخها — نموذجاً حقيقياً للتحرر في كل أبعاده. وهذا البرهان موجود، واسمه: تجربة الحكم الوطني في العراق قبل الاحتلال الأمريكي في 2003م.
ففي العراق، بعد ثورة 17 – 30 تموز 1968، بدأت تجربة تحررية شاملة، لم تقتصر على الاستقلال السياسي، بل امتدت إلى كل مجالات الحياة. وقد تجسدت هذه التجربة في عدة أبعاد:
1. التحرر السياسي: استعاد العراق قراره الوطني المستقل، ورفض التبعية للقوى الكبرى، وتبنى سياسة خارجية مستقلة. وقد جسد هذا التحرر في مواقفه السياسية، وفي دعمه لحركات التحرر الوطني والقومي والإنساني ، وفي رفضه للهيمنة الأجنبية. ويشير التقرير إلى أن (الهيمنة على القرار الوطني المستقل)، كانت أحد أخطر أشكال الاستعمار الجديد، وأن العراق كان من الدول القليلة التي رفضت هذا التبعية.
2. التحرر الاقتصادي: بتأميم النفط في آذار 1972، استعاد العراق سيطرته على ثروته الوطنية، وحوّل عائداتها من خدمة الشركات الأجنبية إلى خدمة التنمية. ويشير التقرير الاقتصادي والاجتماعي للمؤتمر القومي الثالث عشر 2026م، إلى أن (الاستقلال الاقتصادي كان على رأس قائمة أهداف الثورة)، وأن التأميم (مهّد لمرحلة التنمية الاقتصادية)، التي شملت الصناعة والزراعة والبنية التحتية.
3. التحرر المعرفي: أطلق العراق مشروع محو الأمية الشامل، الذي وصفته منظمة اليونسكو بأنه من أنجح المشاريع في العالم. وبنى المدارس والجامعات والمعاهد الفنية في كل أنحاء البلاد، وأرسل البعثات العلمية إلى الخارج، وربط التغيير المادي بتطوير الكوادر البشرية.
4. تحرر الوعي: لم يكن محو الأمية مجرد مشروع تعليمي، بل كان مشروعاً لتحرير الوعي. فالإنسان الذي لا يقرأ ولا يكتب، لا يمكن أن يشارك في بناء مجتمعه، ولا أن يفهم قضاياه. وقد دعمت الدولة الأدب والفن والمسرح والسينما، وشجعت الإبداع، وربطت الثقافة بالهوية الوطنية والقومية. ولم تكن الثقافة ترفاً، بل كانت جزءاً من مشروع بناء الإنسان. ويشير التقرير إلى أن (وسائل التواصل الاجتماعي) استُخدمت (في بث سياسات الكراهية والتحزب الطائفي والأفكار المتطرفة)، وأن (الإعلام الموجه)، حل محل (الثقافة الوطنية والقومية). وهذا يعني أن تحرر الوعي ليس ترفاً، بل هو ضرورة للحفاظ على التحرر.
5. التحرر الثقافي: دعمت الدولة الأدب والفن والمسرح والسينما، وشجعت الإبداع، وربطت الثقافة بالهوية الوطنية والقومية. ولم تكن الثقافة ترفاً، بل كانت جزءاً من مشروع بناء الإنسان.
6. التحرر التكنولوجي: دخل العراق مجالات الصناعات المتقدمة، من البتروكيماويات إلى الصناعات الهندسية، وأنشأ مراكز البحث العلمي، وسعى إلى امتلاك التكنولوجيا الحديثة بدلاً من استيرادها فقط.
7. التحرر الاجتماعي: تحقق مجانية التعليم في كل المراحل، ومجانية الصحة، وارتفع مستوى المعيشة، وتقلصت الفوارق الطبقية. ويشير التقرير الاقتصادي والاجتماعي للمؤتمر القومي الثالث عشر 2026م، إلى أن (التنمية لم تكن تنمية تفقر من فوق المرحلة الرأسمالية وتتجاوزها، بل جعلت مصادر الثروة في يد المجتمع، لتكون في خدمة المجتمع(
هذه التجربة ليست مجرد ذكرى، بل هي دليل عملي على أن الأمة العربية قادرة على التحرر الشامل، وأنها تمتلك الكفاءات والموارد والإرادة. وإذا كانت هذه التجربة قد تعرضت للاحتلال والتدمير، فإن ذلك لا ينفي صحتها، بل يؤكد خطورتها: فقد دُمّرت لأنها كانت تشكل خطراً حقيقياً على مشروع الهيمنة. واستدعاء هذه التجربة اليوم ليس حنيناً إلى الماضي، بل هو استعادة للذاكرة التحررية التي حاول البعض طمسها. فالأمة التي تنسى تجاربها التحررية، تفقد قدرتها على تصور التحرر من جديد. ومن هنا فإن استدعاء تجربة العراق ليس ترفاً تاريخياً، بل هو ضرورة نضالية.
رابعاً: التحرر من ماذا؟ — الأسئلة الخمسة: إذن، ما هو التحرر الحقيقي الذي تحتاجه الأمة العربية في القرن الحادي والعشرين؟ يمكن صياغته في خمسة أسئلة:
1. التحرر من التبعية الاقتصادية: كيف نرفع القيمة المضافة المحلية، وننوّع الصادرات، ونبني قدرات إنتاجية في القطاعات التي نملك فيها مزايا حقيقية؟ وكيف نقلل هشاشتنا أمام تقلبات أسعار السلع الأساسية وانقطاع سلاسل الإمداد، مع الاستفادة من التجارة والاستثمار والتعاون الدولي؟
2. التحرر من التبعية المعرفية: كيف نبني جامعات ومراكز بحث قادرة على إنتاج المعرفة واختبارها وتطويرها، ونزيد مساهمتنا في العلوم والتقنيات المتقدمة؟ وكيف ننتقل من استهلاك الحلول الجاهزة إلى المشاركة في تصميمها وتكييفها وإنتاج ما نحتاج إليه منها، مع الاستفادة النقدية من المعرفة العالمية؟
3. التحرر من التبعية الثقافية: كيف نعزز قدرتنا على إنتاج المعرفة والفنون والإعلام بلغتنا، ونصون ذاكرتنا وتنوعنا الثقافي، وننفتح في الوقت نفسه على ثقافات العالم؟ وكيف نجعل التفاعل الثقافي مجالاً للتبادل والإبداع، لا سبباً للذوبان أو الانغلاق؟
4. التحرر من التبعية الرقمية: كيف نضمن حوكمة بياناتنا وحمايتها، ونطوّر قدرات محلية في البنية التحتية والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني؟ وكيف ننوّع مزودي التقنية، ونحسن شروط التفاوض والتعاقد، ونشارك في وضع المعايير، من دون أن نجعل السيادة الرقمية مرادفاً للاكتفاء الذاتي الكامل أو الانغلاق عن العالم؟
5. التحرر من علاقات الاستغلال والإقصاء الداخلي: كيف نواجه الفساد، وتركيز الثروة والفرص في أيدي فئات محدودة، والتمييز القائم على الانتماءات، وضعف المساءلة؟ وكيف نبني مؤسسات تضمن المواطنة المتساوية وتكافؤ الفرص وسيادة القانون؟ فالقدرة على مواجهة الضغوط الخارجية تظل محدودة عندما تعجز الدولة عن تحقيق العدالة داخلياً أو عن كسب ثقة مواطنيها.
خامساً: نحو مشروع تحرري للقرن الحادي والعشرين: المشروع التحرري الجديد لا يمكن أن يكون نسخة مكررة من خطاب الاستقلال. إنه يحتاج إلى توسيع مفهوم التحرر ليشمل كل هذه الأبعاد. وهذا يعني:
1. السيادة الرقمية عبر التكامل. تطوير التعاون العربي في البنية التحتية الرقمية، والبحث والتطوير، والبيانات اللغوية، ومعايير التشغيل البيني، والأمن السيبراني، مع احترام القوانين الوطنية وخصوصية البيانات. ويشمل ذلك دعم نماذج ذكاء اصطناعي عالية الجودة باللغة العربية ولهجاتها، وتبادل الخبرات والموارد البحثية وفق ضوابط واضحة. فالسيادة الرقمية ليست انعزالاً، بل قدرة على الاختيار والحماية والإنتاج والتفاوض والمشاركة في وضع المعايير.
2. التعليم كأداة للتحرر المعرفي. الانتقال من تعليم الاستخدام وحده إلى تعليم الفهم والتحليل والتصميم والإنتاج، مع تنمية التفكير النقدي، والقدرة على التحقق من المعلومات، وفهم حدود أدوات الذكاء الاصطناعي ومخاطرها. ويتطلب ذلك تطوير المناهج، وتأهيل المعلمين، ودعم البحث العلمي، وربط الجامعات بحاجات المجتمع والاقتصاد، حتى يصبح المتعلم منتجاً للمعرفة وقادراً على تقييمها، لا مجرد مستهلك لأدواتها.
3. بناء اقتصاد منتج ومتنوع. توسيع القاعدة الإنتاجية العربية في الغذاء والدواء والصناعة والتكنولوجيا والطاقة، ورفع القيمة المضافة المحلية، ودعم البحث والتطوير، وتطوير المهارات وسلاسل الإمداد الإقليمية. ويتطلب ذلك سياسات صناعية واضحة، واستثمارات في البنية التحتية، وشراكات بين القطاعين العام والخاص، ومنافسة عادلة، وتنسيقاً عربياً في القطاعات التي يحقق فيها التكامل منافع مشتركة. وليس الهدف الاستغناء عن التجارة الخارجية، بل تقليل الهشاشة، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز القدرة على تلبية الاحتياجات الاستراتيجية بكفاءة واستدامة.
4. الإعلام كفضاء للتحرر الثقافي والمعرفي. دعم إعلام عربي مهني ومستقل، قادر على إنتاج محتوى معرفي وثقافي متنوع، والتحقق من المعلومات، وفتح المجال للنقاش العام، وحماية حرية التعبير وحق الجمهور في المعرفة. فالإعلام الذي يعزز قدرة المجتمع على التفكير والنقد والمساءلة يساهم في بناء الوعي، بينما يؤدي تحويله إلى أداة للدعاية أو احتكار الرواية إلى إضعاف هذه القدرة، مهما كانت الشعارات التي يرفعها.
5. التكامل العربي بوصفه رافعة للتحرر. لا يتوقف بناء القدرات الوطنية على الوحدة السياسية الشاملة، إذ تستطيع الأقطار تطوير بعض إمكاناتها منفردة. لكن التعاون والتكامل العربيين قد يوسّعان السوق، ويجمعان الموارد والخبرات، ويخفضان كلفة البحث والتطوير، ويعززان القدرة التفاوضية في مجالات التكنولوجيا والغذاء والدواء والطاقة. ومن ثم فإن التكامل ليس مجرد شعار، بل خيار استراتيجي ينبغي قياس جدواه بقدرته على زيادة الإنتاجية، وتحسين حياة المواطنين، وتوسيع هامش القرار الوطني والعربي.
خاتمة: لم يكن الاستقلال السياسي نهايةً لكل معارك التحرر، لكنه ظل إنجازاً تاريخياً لا يصح التقليل من قيمته. أما التحدي الراهن، فيتمثل في توسيع مضمونه ليشمل قدرة المجتمعات على إنتاج احتياجاتها الأساسية، وتطوير معرفتها وتقنياتها، وحماية بياناتها وحقوق مواطنيها، وصون تنوعها الثقافي، واتخاذ قراراتها في ضوء مصالحها وإرادتها. ولا يتحقق ذلك بالانغلاق عن العالم، ولا برفض كل ما يأتي من الخارج، بل ببناء قدرات داخلية تتيح التفاعل معه من موقع أكثر استقلالاً وتكافؤاً. كما لا تكفي السيادة الخارجية إذا ظلت قطاعات من المجتمع محرومة من الحقوق والفرص، أو غابت المساءلة والعدالة عن مؤسسات الدولة.
ومن هنا، فإن التحرر ليس إنكاراً للاستقلال الذي تحقق، ولا تكراراً لشعارات الماضي، بل عمل متواصل على توسيع ما يتيحه الاستقلال من قدرة على الاختيار والإنتاج والمشاركة. والسؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً هو: ما القيود التي ما زالت تحد من قدرتنا على تقرير مصيرنا، وما السياسات والمؤسسات التي يمكن أن تساعدنا على تجاوزها؟ فالمعيار الأهم للتحرر ليس عدد الشعارات التي نرفعها، بل مقدار ما نملكه من قدرة على الاختيار، وما ننتجه من معرفة وثروة، وما نضمنه للإنسان من حرية وكرامة وفرص عادلة.

Leave a Reply