عندما تصبح الأرض خصماً: دروس من تلال البحر الأحمر

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أو عكرمة
في تقرير حديث، حذرت منظمة اليونسكو من أن 65 ألف شخص في تلال البحر الأحمر يعيشون فوق أراضٍ قابلة للانهيار، مضيفة أن 70 ألف شخص في جبل مرة وجبال النوبة والإنقسنا معرضون للمخاطر ذاتها. لكن الأرقام وحدها لا تكفي. فالسؤال الحقيقي ليس: كم شخصاً يواجه الخطر؟ بل: لماذا ننتظر حتى تنهار قرية بأكملها لنتحرك؟

في ترسين، بجبل مرة، انهارت الأرض على من فيها. ولم تكن هذه كارثة طبيعية بالمعنى الضيق، بل نتيجة تراكمية لسنوات من الإهمال وسوء التخطيط وانعدام الرقابة. فالأرض لم تتحرك فجأة، وإنما تحركت في ظل غياب الدولة.

واليوم، تقول اليونسكو إنها انتقلت من «تحديد مناطق الخطر» إلى «تعزيز الاستعداد». لكن الاستعداد لمن؟ للانهيار القادم، أم لمنع وقوعه؟

الكوارث ليست «طبيعية» دائماً، بل قد تكون أحياناً نتاجاً للسياسات. فعندما تُترك مناطق كاملة بلا تخطيط عمراني، ولا رقابة على البناء، ولا صيانة للبنية التحتية، تصبح الأرض خصماً. وعندما تُهمَّش هذه المناطق في الموازنات ولا تُدرج ضمن خطط التنمية، تصبح الكارثة مسألة وقت.

في تلال البحر الأحمر، حيث يعيش 65 ألف شخص فوق أرض هشة، لا يقتصر الاحتياج على الإنذار المبكر، بل يشمل وجود دولة تمنع البناء في المناطق الخطرة، وتوفر سكناً آمناً، وتدمج هذه المناطق في خطط التنمية الوطنية.

المشكلة أن سياسات الدولة، في كثير من الأحيان، تتعامل مع الكوارث باعتبارها أحداثاً طارئة، لا نتائج لسياسات وإخفاقات متراكمة. فيُرسل الدعم بعد الانهيار، ولا تُتخذ الإجراءات اللازمة قبله. وتُقام معسكرات الإيواء بعد التشريد، بدلاً من توفير مساكن آمنة تحول دون وقوعه. وهذا منطق الإغاثة، لا منطق الوقاية.

فالوقاية تحتاج إلى تخطيط عمراني يحدد المناطق الآمنة والخطرة، وقوانين بناء تُلزم الجميع بالمعايير المطلوبة، ونظم إنذار مبكر تنبه السكان قبل أيام، لا قبل ساعات، إلى جانب التوعية المجتمعية التي تعلّم الناس كيفية التصرف عند وقوع الخطر.

في اليابان، التي دعمت هذا المشروع، تُدار مخاطر الانهيارات الأرضية باعتبارها قضية أمن قومي. وتوجد خرائط للمخاطر في المناطق المختلفة، وأنظمة إنذار مرتبطة بالهواتف، وتدريبات دورية للسكان. وتسهم هذه التدابير في الحد من آثار الكوارث وتقليل الخسائر البشرية.

في السودان، نمتلك الكفاءات والموارد والمعرفة، لكننا نفتقر إلى الإرادة السياسية لتحويلها إلى سياسات وقائية. ننتظر انهيار الأرض، ثم نتحرك.

إن 65 ألف شخص في تلال البحر الأحمر ليسوا مجرد أرقام، بل بشر ينامون كل ليلة فوق أرض قد تنهار. و70 ألف شخص في جبل مرة وجبال النوبة والإنقسنا ليسوا إحصاءات، بل أسر مهددة بالتشرد، وأطفال معرضون لفقدان ذويهم، ومجتمعات تواجه خطر التلاشي.

الدولة التي لا تخطط لحماية مواطنيها من الكوارث، ولا تعمل على الوقاية منها، تتحول إلى جهاز للإغاثة. والدولة التي لا تنظم العمران، ولا تراقب البناء، ولا تدرج المناطق المهددة ضمن خطط التنمية، تسهم في صناعة الكوارث بدلاً من منعها.

الأرض لا تنتظر، والدولة التي تنتظر قد تجد نفسها أمام كارثة جديدة، لا تملك سوى دفن ضحاياها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.