عندما تتراجع مساحة التنوع لصالح أحادية ثقافية

صحيفة الهدف

صالح اشواك -إريتريا

الشعب الذي مهر حريته بالدم القاني، ودفع من أجل استقلال وطنه أرتالاً من الشهداء وتضحيات لا تكاد تحصى، لا يمكن أن يعيش إلى الأبد شعوراً وطنياً زائفاً داخل وطن تتراجع فيه مساحة التنوع لصالح أحادية ثقافية، وتتقلص فيه السياسة من مشروع وطني إلى مركز قرار واحد.

فالوطن ليس حدوداً جغرافية فحسب، ولا علماً ونشيداً ومؤسسات، الوطن هو أن ترى ذاتك فيه، وأن تجد لغتك وثقافتك وذاكرتك وآمالك ممثلة في صورته العامة. أما أن يطلب من الإنسان أن يعيش بملامح غيره، وأن يتنازل باستمرار عن جزء من ذاته كي يبدو منسجماً مع صورة وطنية تُرسم من فوق، فذلك لا يبني انتماءً راسخاً، بل يراكم اغتراباً صامتاً.

وهنا تكمن المسألة الأخطر.

حين تتسع الفجوة بين الدولة ومكوناتها، لا تضعف السياسة وحدها، بل يبدأ مفهوم الوطن نفسه في التآكل. وحين يشعر الإنسان أن الدولة لا تعكس تعدده، ولا تعترف بخصوصيته، ولا تمنحه شعوراً متساوياً بالمواطنة، فإن الأفكار التي بدت ذات يوم مستحيلة يمكن أن تجد طريقها مجدداً إلى الوعي العام.

ولعل أخطر ما يمكن أن ينتج عن تنامي سطوة ثقافة واحدة ليس مجرد إقصاء ثقافي لمكونات أخرى، وإنما أن يدفع ذلك، بمرور الوقت، إلى إضعاف الفكرة الوطنية ذاتها. فعندما يصبح الانتماء الوطني أقل قدرة على احتضان الجميع، قد تستيقظ في الذاكرة السياسية أفكار قديمة ظن البعض أنها أصبحت جزءاً من الماضي، ومنها أفكار الوحدة أو الارتباط بإثيوبيا، لا بالضرورة من منطلق سياسي مباشر، وإنما عبر مدخل أيديولوجي وثقافي يعيد تعريف المجال الوطني بصورة تتجاوز الدولة الإريترية وحدودها.

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أن المشاريع الكبرى لا تطرح دائماً في صورتها النهائية، ولا تظهر بالضرورة في شكل إعلان سياسي صريح. بعض الأفكار تبدأ كإشارات، أو كجس نبض، أو كتصورات تبدو في لحظتها بعيدة عن الواقع، ثم تعود إلى الواجهة عندما تتغير الظروف الداخلية والإقليمية.

ومن هذه الزاوية لا يمكن تجاهل السابقة السياسية المتمثلة في طرح فكرة الكونفدرالية مع إثيوبيا في مرحلة ما بعد التحرير. وليس من المنهج إسقاط ظروف تلك المرحلة على حاضرنا بصورة آلية، لكن ليس من الحكمة أيضاً التعامل مع تلك السابقة وكأنها لم تكن موجودة.

فحين نضع هذه السابقة إلى جانب واقع إريتريا الداخلي، وحين نلاحظ تنامي سطوة ثقافة واحدة على حساب التعدد الذي يشكّل حقيقة المجتمع الإريتري، وحين نضع ذلك كله في سياق إقليمي أصبحت فيه إثيوبيا أكثر صراحة في الحديث عن حاجتها الاستراتيجية إلى الوصول إلى البحر، فإن تجاهل العلاقة المحتملة بين هذه المسارات يصبح ضرباً من قصر النظر السياسي.

عندها قد لا يحتاج أي مشروع خارجي إلى إقناع الناس بوطن جديد، فقد يكون المطلوب فقط أن يجعلهم يشعرون بأن وطنهم القائم لم يعد وطنهم بالقدر نفسه.

ولهذا فإن الدفاع عن استقلال إريتريا لا يكون فقط بحراسة حدودها الجغرافية، وإنما بإعادة بناء المعنى الوطني الذي يجعل تلك الحدود ذات قيمة في وجدان أبنائها. فالوطن الذي دفع شعبه ثمن استقلاله بالدم لا ينبغي أن يتحول إلى مساحة تضيق فيها هوية لصالح أخرى، ولا إلى مشروع أيديولوجي يحتكر تعريف الوطنية، ولا إلى دولة يفقد بعض أبنائها فيها القدرة على رؤية أنفسهم.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لإريتريا ليس أن يأتيها مشروع الوحدة من الخارج، وإنما أن تهيأ من الداخل، عن قصد أو من غير قصد، الظروف التي تجعل مثل هذا المشروع قابلاً لإعادة الطرح والقبول.

وهنا تصبح حماية التعدد الثقافي والسياسي والاجتماعي جزءاً من حماية الاستقلال نفسه، لا قضية منفصلة عنه.

فقد استشهد أولئك الذين صنعوا إريتريا لكي يكون لنا وطن، وليس لكي يأتي يوم يبحث فيه أبناؤه عن وطن داخل وطنهم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.