في سابقة لم تشهدها أي دولة من دول العالم الأول والثاني والثالث إلى آخر التصنيف، لم يحصل أن أقدمت السلطة الحاكمة في بلد ما، على تسمية يومٍ “بيوم السيادة” بعد خمسة عشر عاماً على احتفائها بيوم سيادة آخر . وكأن هناك سيادة أولى وسيادة ثانية …
مناسبة هذا القول أن الحكومة العراقية اعتبرت أن انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة أميركا من العراق هو يوم استعادة العراق لسيادته، مما يستدل منه أن العراق قبل هذا اليوم لم يكن متمتعاً بالسيادة وهذا يعني أنه كان واقعاً تحت الاحتلال.
لكن من يرجع بالزمن لخمسة عشر عاماً ، وتحديداً إلى يوم 31 كانون الأول من العام 2011 ،يقف على إعلان حكومي قضى يومذاك باعتبار ذاك اليوم (أي 31 كانون الأول / 2011 ) يوماً للسيادة الوطنية، وتم تثبيته كعيد وطني يتم الاحتفاء به كما يتم الاحتفاء بذكرى الاستقلال الوطني لبلد تحرر من الاستعمار. وهكذا أصبح العراق يحتفي بيوم للسيادة الوطنية، يوم 31 كانون الأول/2011 ويوم 30 أيلول 2026. لكن ماميز الثاني عن الأول، هو أن الثاني يمتد على ثلاثة أيام فيما الأول اقتصر على يوم واحد. وهذه مسألة شكلية، لايتم التوقف عندها كثيراً فيما لو كانت المعطيات القائمة على الأرض تبين أن العراق بات فعلاً متمتعاً بسيادته الوطنية على أرضه وشعبه وإدارة مؤسساته.
منذ التاسع من نيسان 2003 ، حتى 31 كانون الأول/2011 كان العراق تحت سلطة الاحتلال الأميركي في الظاهر ومن الباطن، لكن بعد الإعلان عن الانسحاب الأميركي نهاية 2011 تحت ضغط فعاليات المقاومة الوطنية، دخل محتل آخر إلى العراق بالتواطؤ مع سلطة الاحتلال الأميركي، وأصبح يمارس سلطة قائمة بالاحتلال من الباطن.وأن العملية السياسية التي أفرزها الاحتلال الأميركي وحكمت على قاعدة المحاصصة، أصبحت محتواة من سلطة الاحتلال الجديدة التي لم تكتفِ، بالسيطرة على المفاصل السياسية والأمنية والاقتصادية، بل تغولت في البنية المجتمعية ولم تترك قطاعاً إلا ونفذت إليه، وهو مادفع حكام إيران لأن يعلنوا دون مواربة وفي أكثر من مناسبة بأنهم باتوا يسيطرون على بغداد أسوة بسيطرتهم على عواصم عربية أخرى كدمشق وبيروت وصنعاء. وأكثر من ذلك فإنهم لم يتوانوا عن الإعلان بأن بغداد ستعود عاصمة تاريخية للإمبراطورية الفارسية. وهذه السيطرة الإيرانية على العراق لم تكن مجرد ادعاء أو سيطرة نظرية، بل كانت تجسد سلطة احتلال فعلية من خلال تمّكن طهران من وضع سقوف سياسية لإدارة شؤون العراق واعتباره مندرجاً في إطار ماسمته وحدة الساحات. وعلى قاعدة هذا الشعار، أصبحت الإدارة السياسية والتشكيلات الأمنية والمقدرات المالية والاقتصادية تمارس دورها التنفيذي وفقاً لتوجيهات مركز التحكم الإيراني وتحقيقاً لأجندة اهدافه. وأنه في لحظة اشتداد الاختناق الذي تعرض له الاقتصاد الإيراني، كان العراق يشكل المتنفس الذي يمد الاقتصاد الإيراني باكسير الحياة، والأنكى من كل ذلك أن الخزينة العراقية كانت تمول المشروع الإيراني بكل أشكال تغوله في العمق القومي العربي. وهذا ماجعل العراق الغني بموارده يواجه عجزاً في تلبية متطلبات الحاجات العراقية كون موارده كانت موظفة في خدمة المشروع الإيراني.وهذا ماجعل من احتلال إيران للعراق قائماً في ظل وجود قوات التحالف الدولي أو بدونه، وهذه حقيقة دامغة وأدلتها المحسوسة والمادية أكثر مما تحصى ولعل آخرها وصف مستشار المرشد علي أكبر ولايتي تصريحات علي الزيدي في واشنطن بأنها “مصدر عار عميق”، كما مهاجمته موقفه من الالتزام بالقيود المفروضة على الطيران الإيراني، التي حركت إيران أذنابها بالعراق للحؤول دون التزامه بتلك القيود.
إن أحداً من الحريصين على حرية العراق واستعادته لسيادته من عراقيين وعرب ليسوا ضد انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق لأن هذا كان وسيبقى مطلباً وطنياً وقومياً. لكن اعتبار العراق بات متمتعاً بسيادته، ففي هذا كذبة كبرى. إذ لو كان العراق واقعاً تحت الاحتلال الأميركي فقط، لكان هذا الانسحاب نظر إليه باعتباره إنجازًا وطنياً. لكن أن يبقى العراق رازحاً تحت احتلال أخطر من الاحتلال الأميركي وهو الاحتلال الإيراني، الذي أحدث تغييراً ديموغرافياً في بنية العراق المجتمعية بتجنيسه ثلاثة ملايين إيراني، فهذا الاحتلال يتجاوز الاحتلال بمفهومه التقليدي، إلى احتلال يستهدف البنية الوطنية والهوية والنسيج المجتمعي والانتماء القومي وهو أخطر أنواع الاحتلال باعتباره احتلال يندرج ضمن مفهوم الاحتلال الاستيطاني.
من هنا، أن استعادة العراق لسيادته وحريته، مرهونة بتحرره من كل أشكال الاحتلالات، التي ناء وينوء تحت أعبائها وأولها الاحتلال الإيراني وإسقاط كل إفرازات تلك الاحتلالات ومنها العملية السياسية التي أقل مايقال فيها بأنها تنطوي على “نفايات سياسية” غير قابلة للتدوير.
إن العراق مازال محتلاً ، وكثرة الأيام السيادية التي يتم الاحتفاء بها مع كثرة المطبيلين لها من الانتهازيين والنفعيين عراقيين كانوا أو عرباً ، لاتعني أنه بات بلداً مستقلاً متمتعاً بسيادته، ولا ندري إن كانت كثرة الأيام السيادية، سيجب لاحقها سابقها، لكن ماهو معروف ومؤكد، أن العراق أمامه مشوار طويل من النضال الشاق لأجل استعادة سيادته التي لاتستقيم إلا بإسقاط الاحتلال الإيراني القائم بكل عناوينه وأشكاله وإسقاط كل إفرازاته السياسية والأمنية والاجتماعية ويوم يتحقق ذلك يكون ذاك اليوم هو اليوم الحقيقي لاستعادة السيادة الوطنية، وكفى تضليلاً للرأي العام في العراق وعلى مستوى الوطن العربي. إن العراق مازال محتلاً.

Leave a Reply