▪️هناك شيء يتغيّر في الغرب، بما في ذلك أمريكا، ببطء لكنه بوضوح وتنامي،
فلسطين التي ظلت لعقود منذ قرار التقسيم في 1948 أسيرة الرواية الإس.رائيلية في كثير من وسائل الإعلام والسياسة الغربية، بدأت تستعيد مكانها في ضمير الشعوب ووعيها الجديد. لم تعد غزة مجرد أسم لمكان عابر، ولا الفلسطيني مجرد رقم في نشرات الأخبار؛ صار الاحتلال الصه يو ني نفسه موضع مساءلة، وصارت “جرائم إسرائيل” في غزة والضفة محل رصد و إدانة متصاعدة في الشوارع والجامعات والمنابر الثقافية والفنية والرياضية بلسان أبرز نجومها.
▪️ فيما تقدم أيرلندا واحدة من أكثر الصور دلالة.
حين وقعت في مواجهة “إسرائيل” رياضيًا، لم تتعامل مع المباراة باعتبارها مجرد تسعين دقيقة. ارتفعت الأصوات المطالبة بمقاطعة “إسرائيل”، وأعلن الاتحاد الأيرلندي مواقفه، وارتدى المنتخب شارات سوداء احتجاجًا على ما يجري في غزة، بينما اختار حارس المرمى جافين بازونو الانسحاب من المواجهتين، معلنًا أن ضميره ومبادئه لا يسمحان له بالمشاركة.
▪️بازونو لم يكن سياسيًا ولا ناشطًا محترفًا. كان لاعب كرة قدم، لكنه اكتشف أن الإنسان قد يصبح موقفًا في اللحظة التي يرفض فيها أن تتحول الرياضة إلى ستار يغطي الج.ريمة.
▪️وليس الأمر أيرلنديًا وحده.
في أوروبا، انتقلت فلسطين إلى أروقة الثقافة والفنون وجمهورها. فنانون وممثلون ومخرجون وكتاب وموسيقيون أعلنوا تضامنهم، ومهرجانات سينمائية شهدت احتجاجات ومواقف ضد العدوان و الإب.ادة الجماعية، وضد ما يتعرضن له المعتقلات الفلسطينيات والمعتقلين، في سجون الاحتلال التي تفوق “جرائم النازية” في سجون ومعتقلات المانيا بمراحل، والج.رائم التي اقترفتها أمريكا في قوانتنامو وفي أبي غريب بعد غزوها واحتلالها للعراق، وجامعات كبرى تحولت إلى ساحات نقاش واحتجاج منظمة، تشارك فيها القوي الحية والنخب التي كانت مغيبة بالسردية “الصهيونية”، فيما رفض مثقفون وفنانون المشاركة في فعاليات ترعاها أو ترتبط بمؤسسات “إسرائيلية” . حتى بعض الأسماء التي كانت بعيدة عن السياسة وجدت نفسها أمام سؤال أخلاقي لا يمكن الهروب منه: ماذا يعني أن تكون فنانًا أو مثقفًا بينما تُباد مدينة أمام عينيك؟ وبأموال دافعي الضرائب، ودعم لا محدود من الإدارة الأمريكية.
▪️هذه التحولات تعني، فيما تعني، أن تيارًا أوروبيًا واعيًا أصبح مع قضية فلسطينين ومعاناة وتضحيات شعبها، بعد أن تحرر من أحادية السردية، واتهامات معاداة “السامية” ، كما تعني، على الضفة الأخرى أن”إسرائيل”، ولوبياتها، وماكينتها الدعائية قد خسرت الكثير، شيئًا بالغ الأهمية: احتكار الرواية الأخلاقية وممارسة الخداع بها.
▪️ والمفارقة المؤلمة أن شعوبًا وقوى لا يجمعنا بها دين ولا لغة ولا ثقافة، باتت في أحيان كثيرة أكثر جرأة في الدفاع عن فلسطين والحقوق الفلسطينية، وأكثر جرأة واستعدادًا في إدانة الاحتلال بالمواقف العملية، من حكومات وأنظمة عربية وإسلامية، تعرف فلسطين أكثر مما تعرف مصالح شعوبها.
▪️شكرًا لأيرلندا، وإعزاز لجافين بازونو، ولكل فنان ومثقف ورياضي غربي قال: لا للق. تل، لا للاحتلال، ولا لتحويل الضحية إلى متهم. ولا للإب.ادة الجماعية. بلا خوف أو خشية.
▪️فلسطين عربية من البحر إلى النهر. ولن تحررها الحكومات والأنظمة، المتواطىء منها والخانع وإنما يحررها الشعب العربي، حين يتحول تضامن قواه الحية، السياسية والاجتماعية وأوساط المثقفين والمبدعين والرياضيين، ووسط النساء والشباب والطلاب…
من بيانات ومواسم خطابية إلى نضال وكفاح شعبي حقيقي، وإلى مقاومة تدافع عن الحق والأرض والكرامة بكل تعبيرات النضال والمقاومة والتضامن، بعد أن تحول الموقف مع فلسطين معيار للإنسانية والأخلاقية والمواطنة واحترام حقوق الإنسان، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، من الغزو والاحتلال.
.

Leave a Reply