منى عبد الرحيم
ظل الفنان الراحل مصطفى سيد أحمد يبحث باستمرار عن الأشعار الدرامية التي تثري مشروعه الفني وتعمق أبعاده. لقد دقق في انتقائها، ومن خلالها تدافعت شخوص أغنياته لتؤدي دور البطولة وتحقق وجودها عبر الرمز؛ فجاءت تناولاته فريدة لا تشبه أحداً، لتزخر أغانيه بأنماط بشرية متنوعة كالعمال، والمزارعين، والبسطاء، والفقراء، والشباب، والأطفال الفقراء.
ولم تقتصر هذه العوالم على البشر وحدهم، بل امتدت لتشمل الطبيعة بكل تجلياتها؛ حيث تردد ذكر السماء، والأرض، والجمال، والغيوم، والسحاب، والدعاش، والمطر، والتراب، والبحر، والنيل، والموج، وصوت الماء، والساحات. كما حضرت مفاهيم التفاؤل، والأمل، والصباح، والمساء، والليل، والدغش، والمغيرب، والشتاء الدافئ، والصيف، إلى جانب الحلم، والصحيان، والحزن النبيل، والفرح، والزمن، وخطى السنين، والماضي والحاضر. كل هذه العناصر شكلت الحضور الحي في المكونات المشهدية للقصائد الدرامية التي لحنها مصطفى سيد أحمد، لتمنح أغانيه أبعاداً جمالية ودرامية وسينوغرافية وإخراجية متفردة يتعامل معها بإيحائية عالية.
لقد أكدت الدراما في أغاني مصطفى حضوراً هاماً وصنعت وجهات نظر جديدة، وبرز هذا التأكيد جلياً في أغنيتين أساسيتين هما: “الحاج عجبنا” و”عم عبد الرحيم”. وعلى الرغم من أن لكل منهما خصوصيته كنص سردي يعتمد على الحكي بأدائية مصطفى المصحوبة بآلة العود، إلا أن بينهما تشابهاً نسبياً في عكس تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ يقترب بناؤهما من العبارات الشعرية المنتظمة وفق ثنائية الصمت والظلام المستمدة من مسرح اللامعقول، حيث يعكس اللحن المزاج النفسي للشخصيات، ويُعمّق فهم المستمع للتجربة الإنسانية عبر تفعيل الأيقونات الغنائية التي تمد نطاق المحنة الشخصية لتغدو محنة اجتماعية كبرى، وصولاً إلى صراع نفسي يصوره مصطفى ببراعة باللحن والسرد.
سردية “الحاج عجبنا”: البحث عن الانتماء في مواجهة العنف
تهدف سردية “الحاج عجبنا” إلى البحث عن فضاء للانتماء في غياب عالم آمن نجتمع فيه، بعيداً عن الانشقاق، والطرد، والسجن، وكل أشكال المنفى الجسدي والنفسي. إنها عمل يؤكد على الزمان والمكان لطرح الواقع المرضي في فضائه الرافض لكل شكل من أشكال الاستلباب، والبحث المستمر عن الإنسانية المشتركة والحقوق ضمن إطار من الحميمية والمسؤولية.
ويمثل “الحاج عجبنا” انعكاساً للحياة اليومية الآمنة وتأثير العنف عليها؛ فما حدث له هو رد فعل مباشر للعنف الجسدي والاجتماعي والسياسي الذي يعيق استقرار الحياة اليومية في إطارها العام.
سردية “عم عبد الرحيم”: ملحمة الإنسان والسلطة والمصير
أما أغنية “عم عبد الرحيم”، فتمثل فكرة مغايرة من ناحية الموضوع، لكنها كثفت البعد الدرامي بصورة بالغة التأثير. لقد جذبنا مصطفى سيد أحمد عبر الحكي الممنهج من خلال الموال، والأداء، والسرد المعبر الذي أتى بتلاوة فردية للتعبير عن الواقع وقدر الإنسان. يقوم هذا العمل على منطق تحليلي دقيق للعلاقات بين البشر: كعلاقة المرأة والرجل، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وعلاقة الإنسان بالحيوان، وصولاً إلى العلاقة المعقدة بين الإنسان والسلطة التي تولد شعوراً بالنفور.
وهنا يتجاوز الإسقاط رجال الدولة ليطال منظومة المجتمع ومؤسساته المختلفة. ويقودنا العمل إلى تأملات عميقة في ملحمة الحب بين البشر، بما تؤكده كحقائق ثابتة حين يقضي الحب على الظروف القاسية في عالم يسوده التقشف والعدم، وهو حب يجمع بين أوصال الحياة في عالم من الثنائيات المرتبطة أحياناً بالقدر والظروف الملاحقة للشخصيات.
يعد “عم عبد الرحيم” نتاجاً لنظام اجتماعي وطبقي واستغلال كلي لمطلب اجتماعي مستحق. وهنا يعبر مصطفى بأدائه الدرامي المتفرد، حيث يتغلب أسلوب الأداء الحركي عما كان عليه في البداية، لينفعل وتتغلب المنظومة الصوتية والسمعية للعرض السردي. لقد كانت وسيلة الأداء معبرة ومشوقة، وخلقت نوعاً من التباعد والتقارب مع واقع الشعور بالمأساة.
فالأداء الانفعالي الغرائبي شكل وسيلة فاعلة لإغراقنا في المأساة، والتفكر في معانيها، وإدراكنا الحسي لها؛ حيث جاء استخدام الموسيقى وأداء مصطفى وطريقة سرده مشبعاً بالحزن وكأنه ترديد لنداء القدر، ذلك القدر الذي دفع بالحيوان المطيع الأمين إلى مصيره المحتوم، ليفقد كل شيء معناه في النهاية، وتتنتهي رواية عم عبد الرحيم بصورة غرائبية مفجعة عندما يفقد حماره فتختفي الابتسامة الأبدية من وجهه.
بهذه الأدوات، جسد مصطفى سيد أحمد إنتاجه الموسيقي والدرامي، خالقاً توازناً دقيقاً جعلنا نتعمق في أبعاده الدرامية التي أضافت لمجمل إرثه عمقاً جمالياً لا يُنسى.

Leave a Reply