- الثقافة ليست منتجًا يُستهلك.. بل مساحة لإعادة بناء المجتمع
في مشهد تتداخل فيه جراح المنفى مع تطلعات البقاء، لم تعد الثقافة مجرد ترف فكري أو نشاط عابر، بل تحولت إلى حصن أخير للذاكرة وجسر لترميم ما أفرزته الحرب من شتات وعزلة. من قلب العاصمة المصرية القاهرة، حيث تلتقي أصوات المبدعين السودانيين وتبحث عن مساحات للفعل والتأثير، يفتح الأستاذ الصادق سمل — والد شهيد الثورة عبدالرحمن سمل، ومدير مركز التسامح الثقافي — قلبه ودفاتير تجربته لـ”ملف الهدف الثقافي”.
في هذا الحوار يغوص “سمل” في تفاصيل الاشتباك اليومي بين الثقافة وهموم المجتمع، متناولاً معادلة الاستدامة المالية واستقلالية المؤسسات الثقافية، ورهانات الشباب في صناعة المشهد، فضلًا عن الدور المحوري الذي تلعبه المساحات الثقافية في خلق “وطن معنوي” يقاوم الاغتراب ويحرس جذوة الإبداع من الانطفاء.
حوار: محمد الحاج
#من واقع خبرتكم في إدارة الفعاليات الثقافية، ما الاستراتيجيات والآليات الأكثر فاعلية لربط الثقافة بالمجتمع، وتحويل الفعاليات الثقافية إلى مساحات حقيقية للتفاعل والمشاركة المجتمعية؟
أعتقد أن أهم نقطة بالنسبة لنا هي ألا نتعامل مع الثقافة باعتبارها منتجًا نقدمه للجمهور، وإنما باعتبارها مساحة نلتقي فيها ونشارك، ونعيد من خلالها بناء المجتمع نفسه.
في مركز «تسامح» نعمل دائمًا باستراتيجيات مرنة وقابلة للتغيير، لأننا نعمل في سياقات اجتماعية سريعة التغير، خصوصًا في أوقات الحرب والأزمات، حيث تتبدل احتياجات الناس وأولوياتهم من فترة إلى أخرى. لذلك لا نؤمن بوجود استراتيجية واحدة تظل فعالة بالصيغة نفسها طوال الوقت، لكن نراجع أدواتنا باستمرار، ونقرأ ما يحدث داخل المجتمع ونستجيب له.
ومن هنا نحاول أن ننقل المتلقي من دور الحضور إلى دور «المشارك»، ونريده ألا يأتي فقط ليستمع أو يشاهد، وإنما ليقترح ويحاور ويحكي تجربته ويشارك في صناعة الفعالية نفسها. وهذا يتطلب أن نصمم الفعاليات من داخل المجتمع، وأن نصغي إلى الناس واحتياجاتهم وذاكرتهم، بدلًا من أن نفترض مسبقًا ما الذي نعتقد أنهم يريدونه.
والشراكة هنا مهمة جدًا؛ سواء مع المبادرات المحلية أو الفنانين أو الشباب أو المؤسسات المجتمعية والتعليمية. فعندما يشعر الناس أن لهم دورًا حقيقيًا في الفعالية، يصبحون جزءًا منها، وليسوا مجرد جمهور لها.
وبالنسبة لي، نجاح الفعالية لا يقاس فقط بعدد الحضور، وإنما بما يحدث بعدها: هل نشأت علاقة جديدة؟ هل بدأ حوار؟ هل ظهرت فكرة أو مبادرة؟ وهل شعر شخص ما بأنه ينتمي إلى هذه المساحة؟ وهذا مهم بشكل خاص في المجتمعات التي فرقتها الحرب والهجرة. ففي مثل هذه السياقات تصبح الثقافة أكثر من مجرد نشاط فني أو ترفيهي؛ يمكن أن تكون وسيلة لاستعادة الذاكرة والانتماء، وخلق مساحات للقاء بين أشخاص فرقتهم الظروف.
لذلك نحاول أن تكون الفعالية بداية لعلاقة، وليست مجرد حدث ينتهي بانتهاء موعده. والأهم أن تظل استراتيجيتنا قابلة للتطور، لأن المجتمع الذي نعمل معه يتغير باستمرار، وبالتالي يجب أن تتغير أدواتنا معه.
#كيف يمكن للمراكز الثقافية أن تحافظ على عمق محتواها الثقافي والأدبي ورسالتها التنويرية، وفي الوقت ذاته تضمن الاستدامة المالية والإدارية؟ ومن واقع تجربتكم، كيف يمكن تحقيق التوازن بين البعد التجاري ومتطلبات السوق، وبين الحفاظ على استقلالية المركز ورسالته الثقافية؟
أنا أؤمن أن الاستدامة المالية ليست عدوًا للثقافة، إنما هي شرط أساسي لاستمرارها. فالمركز الثقافي إذا لم يكن قادرًا على الاستمرار ماليًا وإداريًا، فلن يستطيع في النهاية أداء رسالته، مهما كان المحتوى الذي يقدمه مهمًا.
لكن هناك خط فاصل مهم: لا ينبغي أن يصبح السوق هو الذي يحدد للمركز ماذا يقدم، وما الذي يتخلى عنه، وما الذي يحتفي به. نحن نحتاج إلى فهم السوق والجمهور، والبحث عن الموارد والشراكات والفرص التجارية، ولكن داخل هوية ثقافية واضحة لا نتنازل عنها.
ومن واقع تجربتنا في «تسامح» أعتقد أننا نجحنا في تحقيق هذا التوازن بشكل عملي. فقد أصبح المركز جزءًا من منظومة المسؤولية الاجتماعية لمجموعة «مورشي للاستيراد والتصدير»، بما يوفر لنا دعمًا يساعد على الاستدامة والاستمرار، من دون أن يمس ذلك باستقلاليتنا كمركز ثقافي ومركز للتدريب.
وكان هناك منذ البداية وضوح كامل في طبيعة هذه العلاقة: دعم المجموعة يأتي في إطار مسؤوليتها الاجتماعية، بينما تظل إدارة المركز واختياراته الثقافية والتدريبية مستقلة تمامًا. ولم يكن هناك أي تدخل من مجموعة مورشي في المحتوى أو البرامج أو القرارات الخاصة بعمل المركز.
وأعتقد أن هذه هي الصورة الصحية للشراكة بين القطاع الخاص والمؤسسات الثقافية: أن يساهم القطاع الخاص في استدامة الثقافة ودعمها، وفي المقابل تظل المؤسسة الثقافية محتفظة برؤيتها وهويتها واستقلالية قرارها.
وفي الوقت نفسه، الاستقلالية لا تعني الابتعاد عن السوق. علينا أن نفهم الجمهور واحتياجاته، وأن نطور أدواتنا وبرامجنا وطريقة تقديم المحتوى، لكن من دون أن نسمح للسوق بأن يعيد تعريف رسالتنا.
وفي النهاية، السوق يمكن أن يمول الثقافة، ويمكن للقطاع الخاص أن يكون شريكًا حقيقيًا في استدامتها، لكنه لا ينبغي أن يعيد تعريفها.
#ما أبرز المهارات التي تلاحظون أن الشباب والشغوفين بالثقافة يحتاجون إلى تطويرها في الوقت الراهن؟
أعتقد أن أهم ما يحتاجه الشباب اليوم هو الجمع بين الشغف والمهنية. الشغف هو الذي يدفع الإنسان إلى الاهتمام بالثقافة والتعلم والاستمرار فيهما، لكنه وحده لم يعد كافيًا.
وأعتقد أن تجربة الشباب والشابات السودانيين خلال الحرب وعدم الاستقرار والنزوح واللجوء كانت اختبارًا قاسيًا بشكل خاص. فقد اضطر كثيرون إلى مغادرة أماكنهم ودراستهم وأعمالهم والبدء من جديد. ومع ذلك، ما يلفتني ويمنحني قدرًا كبيرًا من الأمل هو أن شغفهم بالتعلم لم ينقطع. أينما كانوا، ظل هناك بحث عن المعرفة ورغبة في التعلم والتطور والاستفادة من كل فرصة متاحة.
وهذا يؤكد أن الشغف بالمعرفة والثقافة يمكن أن يكون قوة حقيقية في مواجهة الظروف الصعبة، لكن مسؤوليتنا أيضًا أن نساعد هذا الشغف على أن يجد الأدوات والفرص التي تمكنه من الاستمرار.
فالعمل الثقافي اليوم أصبح صناعة متكاملة؛ فهو يحتاج إلى التخطيط، وإدارة المشروعات والميزانيات، وبناء الشراكات، والتسويق، وصناعة المحتوى الرقمي، والأهم فهم الجمهور وكيفية التواصل معه.
كما يحتاج الشباب إلى العمل الجماعي، والتعلم المستمر، والمرونة في التعامل مع التغيرات، خصوصًا مع التحولات التي أحدثها العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى والوصول إلى الجمهور.
وبالنسبة لي، الشغف يعطيك الدافع، لكن المهنية هي التي تحول هذا الشغف إلى مشروع قابل للاستمرار والتأثير.
يُعد حفل تدشين الكتاب بمثابة ميلاده الرسمي ونافذته الأولى إلى القرّاء والجمهور. ومن واقع خبرتكم في إدارة وتنظيم الفعاليات الثقافية، ما العناصر الأساسية التي ينبغي توافرها لتحويل حفل التدشين من مجرد مناسبة للاحتفاء بالكتاب إلى تجربة ثقافية استثنائية وناجحة، تترك أثرًا لدى الحضور وتمنح الكتاب انطلاقة حقيقية؟
تدشين الكتاب الناجح لا يبدأ في قاعة الفعالية، بل يبدأ من القدرة على خلق فضول حول الكتاب قبل أن يصل الجمهور إلى القاعة.
لذلك نحتاج إلى بناء قصة حول الكتاب، واختيار الشكل الذي يناسبه، وإيجاد حوار حقيقي حوله، وليس مجرد كلمات مديح.
التنظيم والإخراج والترويج كلها عناصر أساسية، لكن المعيار الأهم بالنسبة لي هو: هل خرج الحضور وهم يريدون قراءة الكتاب؟
إذا حدث ذلك، فقد نجح التدشين في أداء وظيفته.
#يُلاحظ في كثير من الفعاليات الثقافية أن غالبية الحضور من الأعمار المتقدمة، مع حضور نسبي للشباب. هل ترون في ذلك مؤشرًا على أن الثقافة تعيد تدوير نفسها داخل الدوائر والشرائح ذاتها، أم أن الأمر يرتبط بعوامل أخرى تتعلق بطرق تقديم الثقافة ووسائل الوصول إلى الأجيال الجديدة؟
لا أعتقد أن المشكلة في عزوف الشباب عن الثقافة بقدر ما هي أحيانًا في عزوف الثقافة عن تغيير أدواتها. الجيل الجديد لا يرفض المعرفة، لكنه يتلقى ويتفاعل معها بطريقة مختلفة، ونحن أحيانًا نتأخر في استيعاب حجم التطور الذي حدث في الوسائل المتاحة أمامه لتلقي المعرفة والتفاعل معها.
وأعتقد أن فشلنا في إشراك الشباب لا ينبغي أن يُفسَّر دائمًا باعتباره عزوفًا منهم؛ ففي كثير من الأحيان هو قصور في أدواتنا نحن في التعامل معهم. وهناك تحدٍ آخر، وهو أننا قد نقدم لهم معرفة نظرية أو غير عملية، بينما هم يبحثون عن معرفة تضيف إلى حياتهم، وتطور مهاراتهم، وتساعدهم على التعامل مع واقعهم.
وهذا أمر نحن منتبهون له في «تسامح»، لذلك نحاول أن نربط المحتوى الثقافي والتدريبي باحتياجات الشباب الفعلية، وأن نقدم المعرفة بصورة أكثر تفاعلًا وعملية، مع الحفاظ على عمقها وقيمتها.
والأهم أن نعطي الشباب دورًا في صناعة المشهد الثقافي، لا أن نتعامل معهم فقط باعتبارهم جمهورًا نريد استقطابه. عندما يصبحون شركاء في إنتاج المحتوى وتنظيم الفعاليات والحوار، يشعرون بأن الثقافة مساحة تخصهم.
في النهاية، التحدي ليس في جذب الشباب إلى الثقافة فقط، وإنما في أن نطور أدواتنا نحن، ونفهم عالمهم واحتياجاتهم، ونقدم لهم معرفة ذات معنى وقيمة عملية، دون أن نفقد الثقافة عمقها ورسالتها.
#في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الثقافي، ما «روشتة النجاح» التي تقترحونها للجيل الجديد الراغب في دخول مجال إدارة الفعاليات والمراكز الثقافية؟ وما المهارة أو القيمة التي ترون أنها تمثل مفتاح التميز والاستمرار في هذا المجال؟
أستمع أولًا، ثم أنظم. هذه ربما تكون أهم نصيحة أقدمها.
افهم جمهورك، وراقب ما يتغير حولك، ولا تفترض أن ما نجح بالأمس سيظل ناجحًا غدًا.
ثم تعلّم المهنة بكل تفاصيلها؛ فالفكرة الجيدة لا تكفي من دون إدارة جيدة.
أما القيمة التي أراها مفتاحًا للاستمرار فهي المرونة: أن تحافظ على هويتك، لكن لا تتشبث بأدواتك القديمة.
#من واقع تجربتكم في مركز «تسامح»، كيف تقرأون الدور الذي لعبته المراكز الثقافية بالقاهرة في تجميع المبدعين السودانيين، وتنشيط حركتهم، وإعادة وصلهم بالجمهور وببعضهم البعض، ومقاومة العزلة التي فرضتها ظروف الحرب والاغتراب؟ وهل ترون أن هذه المساحات أصبحت، بصورة أو بأخرى، بمثابة «وطن ثقافي بديل» للمبدع السوداني في المنفى؟
الحرب لم تقتلع الناس من أماكنهم فقط، بل هددت أيضًا حياتهم الثقافية وعلاقاتهم ومساحات التعبير التي اعتادوا عليها. ومن هنا أعتقد أن المراكز والمساحات الثقافية في القاهرة لعبت دورًا يتجاوز تنظيم الفعاليات؛ فقد أصبحت مساحات لاستعادة الحياة الثقافية، وجمع مبدعين تفرقوا بسبب الحرب، وإعادة وصلهم بجمهورهم وببعضهم البعض.
وفي «تسامح» لمسنا ذلك بوضوح. كنا حريصين على أن تكون المساحة مفتوحة للمبدعين السودانيين، ليس فقط لعرض أعمالهم، وإنما أيضًا للالتقاء والحوار والتعلم واستعادة شيء من الحياة المهنية والثقافية التي انقطعت بسبب الحرب والنزوح والاغتراب.
أما تعبير «وطن ثقافي بديل»، فأراه تعبيرًا دالًا، مع تحفظي على كلمة «بديل». لا شيء يعوض الوطن، ولا يمكن لمساحة ثقافية أن تحل محل المكان والانتماء الأصلي.
لكن القاهرة، بما لها من تاريخ ومكانة كواحدة من أهم المدن الثقافية في العالمين العربي والأفريقي، وفرت للمبدعين السودانيين فرصة مهمة للالتقاء ببعضهم البعض، وفي الوقت نفسه الانفتاح على مبدعين ومؤسسات وجمهور من خلفيات وتجارب مختلفة. وهذا التفاعل أتاح لهم الحفاظ على حضورهم الثقافي والمشاركة في المشهد الثقافي الأوسع بصورة إيجابية وفاعلة.
لذلك أرى أن هذه المساحات تستطيع أن تمنح المبدع في المنفى شيئًا من الإحساس بالانتماء والاستمرارية، وأن توفر له مساحة يقول فيها: ما زلت حاضرًا، وما زلت قادرًا على الإنتاج والتواصل والتأثير.
وربما يكون هذا هو الدور الأهم لهذه المراكز اليوم: أن تقاوم العزلة التي تفرضها الحرب والاغتراب، وأن تؤكد أن اقتلاع الإنسان من مكانه لا يعني اقتلاعه من دوره الثقافي أو من حقه في مواصلة الإبداع.
#كيف ترون المشهد الثقافي الحالي، وما الدور الذي تلعبه المساحات الثقافية الخاصة في إعادة تشكيل وعي الجمهور؟
أرى أن المشهد الثقافي اليوم أصبح أكثر تنوعًا وانفتاحًا، خصوصًا مع اتساع وسائل الوصول إلى المعرفة والمحتوى. وفي ظل هذا التدفق الكبير للمحتوى، تكمن قيمة المساحات الثقافية الخاصة في أنها توفر ما لا تمنحه المنصات الرقمية بسهولة: اللقاء المباشر، والحوار، والاختلاف، وبناء علاقة حقيقية مع الجمهور.
لذلك لم يعد دور هذه المساحات مجرد تنظيم فعاليات أو تقديم محتوى ثقافي، وإنما أصبح أيضًا طرح الأسئلة، والمساهمة في تشكيل الذائقة، وفتح المجال أمام أصوات جديدة، وخلق جمهور أكثر تفاعلًا مع الثقافة.
وفي السياق السوداني، أعتقد أن هناك مسؤولية إضافية، وهي حماية الذاكرة الثقافية من أن تصبح الحرب سببًا في انقطاعها. فالثقافة ليست فقط ما ننتجه اليوم، وإنما أيضًا ما نحافظ عليه من ذاكرة وتجارب وأصوات، وما ننقله إلى الأجيال القادمة.
ومن هنا أرى أن المساحات الثقافية الخاصة يمكن أن تكون جسورًا بين المبدع والجمهور، وبين الأجيال، وبين الثقافة السودانية ومحيطها العربي والأفريقي، وأن تساهم في الحفاظ على استمرارية الحياة الثقافية رغم الظروف التي فرضتها الحرب.

Leave a Reply