موارد السودان من الاستقلال إلى الحرب 2023م: حكاية سلة غذاء ذبلت قبل أن تُقطف (2)

صحيفة الهدف

أ. عبد الكريم علي عثمان

ثانيًا: عهد نميري (1969–1985): من مشروع «سلة الخبز العالمي» إلى دوامة الديون

وصول الصاعقة والبداية الاشتراكية (1969–1973)

في 25 مايو 1969، قاد العقيد جعفر نميري انقلابًا عسكريًا أطاح بالحكم الديمقراطي، معلنًا «ثورة مايو»، وبدأ حكمه بتوجهات اشتراكية واضحة، فأصدر قرارات بتأميم ومصادرة جميع البنوك والشركات التجارية الكبرى في البلاد، وتحويلها إلى القطاع العام.

خمسة أخطاء رئيسية حطمت ظهر الاقتصاد السوداني

تكاد تجمع المراجع الاقتصادية على أن حكم نميري ارتكب خمسة أخطاء كارثية، أربعة منها جاءت في خضم مشروع «سلة الغذاء» الطموح:

1. جولة القروض الأولى (السبعينيات):
بدأت حكومة نميري، خلافًا لنصيحة البنك الدولي، برنامجًا تنمويًا طموحًا ومكلفًا يهدف إلى تحويل السودان إلى «سلة غذاء العالم العربي»، وتم تنفيذ ذلك عبر الاقتراض المكثف. غير أن هذه المشاريع اتسمت بعائد اقتصادي منخفض، نتيجة سوء تصميمها.

2. أخطاء السياسة النقدية (الثمانينيات):
تسبب سوء الإدارة الاقتصادية في فقدان الجنيه السوداني نحو 80% من قيمته. ففي عام 1978 كان الدولار يساوي نحو 0.35 جنيه سوداني، وبحلول عام 1985 هبط سعر الجنيه في السوق الموازية إلى أقل من 10% من قيمته عام 1978.

3. أخطاء السياسة الزراعية (الإنتاج لا يكفي للأكل):
إلى جانب أزمة الديون، تباطأ النمو الزراعي بشكل كبير. ففي الفترة بين 1965 و1980، بلغ نمو الإنتاج الزراعي نحو 2.9% سنويًا، لكنه تراجع إلى 0.8% فقط بين 1980 و1987. وفي حصاد 1984، أنتج السودان 1.47 مليون طن فقط من الحبوب، بينما احتاج إلى 3.37 مليون طن، أي بعجز بلغ نحو 1.9 مليون طن.

4. جولة القروض الثانية (النفط 1974–1984):
في عام 1974، بدأ السودان مرحلة البحث والتنقيب عن البترول، بالتعاقد مع شركة شيفرون الأمريكية. ولم تسهم القروض في تلبية احتياجات التنمية، بل ذهبت نسبة منها إلى سداد ديون قديمة، مما أدى إلى تفاقم الأزمة المالية. وبحلول عام 1985، قُدّرت الديون الخارجية بنحو 9 مليارات دولار.

5. العودة إلى الحرب: طريق مسدود (1983):
في عام 1983، ألغى نميري اتفاقية أديس أبابا للسلام مع الجنوب، مما أدى إلى عودة الحرب الأهلية. وكالعادة، وُجّهت موارد وميزانية التنمية لتمويل آلة الحرب، كما تعرضت حقول النفط المكتشفة حديثًا لأضرار نتيجة الصراع.

مجاعة 1984.. وسقوط النظام (1984–1985)

نتيجة لتلك الأخطاء الزراعية والاقتصادية والسياسية، ضربت المجاعة البلاد عام 1984، ونزل الناس إلى الشوارع في حركة أبريل 1985، احتجاجًا على الجوع وتدهور الأوضاع المعيشية. وتحولت تلك الانتفاضة الشعبية إلى انهيار للنظام، منهية حقبة كان يُعوّل عليها في بناء اقتصاد قادر على تحقيق التنمية، لكنها انتهت وسط أزمات اقتصادية وسياسية متراكمة.

كان ذلك هو الإرث الذي ورثته الحكومات التي جاءت بعد نميري. فقد خلف نميري دولة مثقلة بالديون، واقتصادًا منهكًا، وحربًا أهلية مشتعلة من جديد، ومؤسسات عسكرية وأمنية مستنزفة. وانتهى ذلك المسار بانقلاب يونيو 1989، بقيادة «الكيزان»، وهي المرحلة التي ستتناولها الحلقة التالية، للوقوف على كيفية إدارة موارد الدولة والاقتصاد خلال العقود الثلاثة التالية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.