حرب السودان.. من أين يأتي السلاح والمقاتلون؟

صحيفة الهدف

تقرير: شبكة عاين

شبكات عابرة للحدود كشفها التقرير الأخير لبعثة تقصي الحقائق الدولية تمدُّ أطراف الن.زاع في السودان بالسلاح والتكنولوجيا والمقاتلين والدعم اللوجستي، وهو ما أسهم في استمرار العمليات العسكرية وتوسيع قدرات القوات المتحاربة، مع عواقب خطيرة على المدنيين.

وتقول البعثة إن لديها أسباباً معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن جهات تعمل عبر عدة دول جندت ودربت ونقلت مقاتلين أجانب لدعم قوات الد.عم الس.ريع، وسهّلت نقل الأسلحة والذخائر والتكنولوجيا العسكرية والإمدادات اللوجستية إليها.

وفي المقابل، وجدت البعثة أسباباً معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن القوات المسلحة السودانية استخدمت أيضاً طائرات مسيّرة موردة من الخارج في عمليات ألحقت أضراراً بمدنيين وأعيان مدنية.

وترسم البعثة صورة لشبكة إمداد عابرة للحدود ربطت أفراداً وكيانات في عدة دول بمسارات وصلت إلى مناطق خاضعة لسيطرة الد.عم الس.ريع داخل السودان.

وتشير التحقيقات إلى استخدام نقاط في تشاد وجنوب شرق ليبيا وبوصاصو في بونتلاند بالصومال، ضمن شبكة نقل الأفراد والأسلحة والإمدادات. كما تشير إلى مطار نيالا باعتباره إحدى نقاط الدخول المهمة للإمدادات إلى مناطق سيطرة الد.عم الس.ريع.

ووثقت البعثة معدات عسكرية قالت إن خصائصها تتطابق مع معدات سبق تصديرها إلى الإمارات، بينها مدافع «هاوتزر صينية الصنع من طراز NORINCO AH-4 عيار 155 ملم» وأنظمة دفاع جوي ومركبات مدرعة وذخائر ومعدات عسكرية أخرى. كما وثقت استخدام طائرات مسيّرة وقدرات للحرب الإلكترونية ودعماً فنياً، وعثرت على حطام طائرات مسيّرة في الفاشر ونيالا والأبيض يتوافق مع طرازات استخدمت في العمليات.

لا تقدم البعثة هذه النتائج باعتبارها أحكاماً قضائية نهائية، وإنما تستخدم معيار «الأسباب المعقولة التي تدعو إلى الاعتقاد» في تقييم الأدلة التي جمعتها.

البعثة تقول إنها حدّدت أفراداً وكيانات أجنبية، لكنها لا تكشف علناً إلا عمن أدرجتهم لجنة الجزاءات التابعة لمجلس الأمن، بينما تحتفظ بملفات سرية يمكن إتاحتها لأغراض المساءلة.

المقاتلون الأجانب.. شبكات تجنيد ونقل

من أبرز ما كشفه تقرير البعثة الصادر في الثالث من هذا الشهر حجم مشاركة المقاتلين الأجانب، خصوصاً المتعاقدين العسكريين الكولومبيين. وتقول البعثة إن ما يصل إلى نحو ألفي متعاقد عسكري كولومبي سابق جرى نشرهم إلى جانب قوات الد.عم الس.ريع في دارفور وكردفان، وإن بعضهم شارك بصورة مباشرة في تشغيل طائرات مسيّرة قتالية ومدفعية وأسلحة متقدمة.

وتشير البعثة إلى أن شركات خاصة ووسطاء تجنيد ولوجستيات عملوا من عدة دول لتسهيل نقل هؤلاء الأفراد والتجهيزات إلى مناطق سيطرة الد.عم الس.ريع.

كما تحدثت عن وجود مقاتلين أجانب من تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا، لكنها لم تعتبر وجود مواطنين من هذه الدول دليلاً بحد ذاته على تورط حكوماتها في دعم الح.رب.

تشاد وليبيا والصومال.. مسارات للعبور

فيما يتعلق بتشاد، تشير البعثة إلى استخدام أجزاء من الأراضي التشادية ضمن شبكات العبور والإمداد، خصوصاً المناطق الحدودية النائية.

وفي جنوب شرق ليبيا، تشير البعثة إلى استخدام بنغازي والكفرة والجفرة كمراكز لاستقبال أفراد وإمدادات عسكرية قبل نقلها إلى السودان، مع ورود أدلة على مشاركة ألوية مرتبطة بالجيش الوطني الليبي في بعض هذه الترتيبات. كما وثقت منشآت تدريب تلقى فيها أفراد من الد.عم الس.ريع تدريبات متخصصة على تشغيل وصيانة الأسلحة.

أما في الصومال، فتشير البعثة تحديداً إلى بوصاصو في إقليم بونتلاند باعتبارها إحدى نقاط العبور والدعم اللوجستي التي استخدمتها الشبكة.

مواقف الدول.. بين النفي والتعاون والصمت

قدمت الإمارات إلى البعثة موقفاً ينفي بصورة قاطعة تقديمها دعماً عسكرياً أو مالياً أو لوجستياً لقوات الد.عم الس.ريع، أو تسهيل انتقال مقاتلين أجانب إلى السودان. وقالت إنها ملتزمة الحياد في الح.رب، وإن التحقيقات التي أجرتها بشأن كيانات تعمل ضمن نطاق اختصاصها لم تجد دليلاً على ارتباطها بأنشطة مرتزقة في السودان.

غير أن البعثة، بعد دراسة الرد الإماراتي ومقارنته بمجموع الأدلة التي جمعتها، خلصت إلى أن أفراداً وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها أدت أدواراً مهمة في شبكات تجنيد وتمويل ونقل ونشر متعاقدين عسكريين أجانب، فضلاً عن تقديم دعم عسكري استفاد منه الد.عم الس.ريع.

أما تشاد، فنفت علمها بمرور الأسلحة والمعدات والطائرات المسيّرة عبر أراضيها، وأكدت للبعثة التزامها بسيادة السودان والقانون الدولي والحياد في الن.زاع. وتشير نتائج البعثة، في المقابل، إلى استخدام جهات خاصة وشبكات عابرة للحدود أجزاء من الأراضي التشادية، ولا سيما المناطق الحدودية النائية.

وفي كولومبيا، أقرت السلطات بوجود مواطنين كولومبيين ضمن هذه الشبكات، وأشارت إلى إجراءات اتخذتها لمواجهة عمليات التجنيد غير المشروع، فيما لم تجد البعثة دليلاً على مسؤولية الدولة الكولومبية عن هذه الأنشطة.

ولم تتلق البعثة ردوداً جوهرية من إثيوبيا وليبيا وجنوب السودان والصومال بشأن طلباتها المتعلقة بالتحقيق. كما طلبت بنما مزيداً من الوقت للرد. أما طرفا الح.رب في السودان، فلم يتعاونا بصورة جوهرية مع التحقيق.

الدعم الخارجي للقوات المسلحة

لا يقتصر التقرير على الدعم الخارجي لقوات الد.عم الس.ريع. فقد وجدت البعثة أسباباً معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن القوات المسلحة السودانية استخدمت طائرات مسيّرة موردة من الخارج في عمليات ألحقت أضراراً بمدنيين وأعيان مدنية.

لكن التحقيق في مصادر الدعم الخارجي للقوات المسلحة كان، بحسب البعثة، في مرحلة أقل تقدماً، ولم يصل إلى مستوى التحديد نفسه الذي توصلت إليه بشأن بعض شبكات الإمداد المرتبطة بالد.عم الس.ريع.

وتشير البعثة إلى هجمات بطائرات مسيّرة أوقعت أعداداً كبيرة من الضحايا. ففي كالوغي بجنوب كردفان، قتلت ضربات للد.عم الس.ريع 114 شخصاً، بينهم نحو 60 طفلاً، بينما أدت ضربات للقوات المسلحة في الضعين بشرق دارفور إلى مقتل ما لا يقل عن 70 شخصاً وتدمير مستشفى رئيسي.

وفي الأبيض، وثقت البعثة ضربات متكررة للد.عم الس.ريع، خصوصاً بين مايو وأغسطس 2026، ألحقت أضراراً بالبنية التحتية للكهرباء والوقود، مما فاقم صعوبات المياه والرعاية الصحية والنقل وحركة المدنيين. وخلصت إلى أن بعض هذه الهجمات تمثل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني وقد ترقى إلى جرائم ح.رب.

خلف هذه الهجمات، يواصل المدنيون حياتهم بإصابات وفقدان لا ينتهيان بانتهاء القصف. ففي يونيو 2024، كانت تباريح محمد علي تجلس مع أسرتها وتشرب القهوة في جبل أولياء، جنوب الخرطوم، عندما سقطت دانة بالقرب منهم. فقدت أختها وزوجة خالها في الانفجار، وأصيبت هي بشظايا لا يزال بعضها عالقاً في جسدها.

تقول تباريح -وهو اسم مستعار لـ(عاين)- إن المشهد تحول خلال لحظات إلى أشلاء. ومنذ ذلك اليوم، تعيش في الخرطوم وهي تحمل آثار الإصابة والصدمة، وتسأل نفسها كل يوم عن سبب اندلاع الح.رب، بينما تأمل نهايتها. وتحتاج إلى عملية جراحية بسبب إصابتها، لكن ظروفها المالية لا تسمح لها بإجرائها، في ظل صعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية. هكذا تستمر آثار الهجوم بالنسبة إليها بعد انتهائه: إصابة تحتاج إلى علاج، وفقدان شخصين من عائلتها، وصدمة لم تغادرها. تقدم تجربة تباريح صورة ملموسة عن الكلفة الباهظة التي يتحملها المدنيون عندما تستمر العمليات العسكرية.

واشنطن: شبكات تجارية قد تغذي طرفي الح.رب

وفي سياق حديثه عن شبكات تمويل الح.رب، قال كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، إن شبكات تجارية خاصة قد تسهّل تدفق الأسلحة إلى طرفي الن.زاع، مشيراً إلى أن واشنطن تقدر عدد الدول التي تقدم دعماً للطرفين بما لا يقل عن 12 دولة، بينما تنفي الإمارات أي تورط مباشر في تأجيج الح.رب.

وفي مقابلة مع برنامج «Focus on Africa» التابع لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، أشار بولس إلى أن الدعم الخارجي يشمل الطائرات المسيّرة والذخيرة والوقود وقطع الغيار والدعم اللوجستي والتدريب، وقال إن الولايات المتحدة تدفع نحو حظر شامل للأسلحة على السودان باعتبار وقف تدفق الإمدادات شرطاً أساسياً لوقف الح.رب واستئناف المفاوضات.

متى يتحول الدعم إلى مسؤولية قانونية؟

وتطرح شبكة الدعم الخارجي للح.رب سؤالاً عن المسؤولية القانونية للجهات والدول المتورطة فيها؛ يقول معتصم أبو البشر، المستشار القانوني بمركز راؤول والنبرغ لحقوق الإنسان، في حديث لـ(عاين): «إن مسؤولية الدول والجهات التي تقدم دعماً يمكن أن تنشأ عندما تكون على علم، أو كان ينبغي أن تعلم، بأن هذا الدعم قد يُستخدم في ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان».

كما أن مبدأ العناية الواجبة يرتبط باتخاذ الدولة، في ضوء ظروف كل حالة، الخطوات والإجراءات اللازمة والمعقولة لمنع الانتهاكات والحد من مخاطر وقوعها، مشيراً إلى أن تقييم المسؤولية لا يتعلق فقط بالنتيجة التي وقعت، وإنما أيضاً بالإجراءات التي اتخذتها الدولة لمنع وقوع الانتهاك وفقاً لأبو البشر، الذي أضاف أن تحديد المسؤولية يتطلب النظر إلى طبيعة الدعم والظروف المحيطة به والإجراءات التي اتخذتها الدولة لمنع استخدامه في الانتهاكات.

من السلاح إلى الشبكات الميسّرة

يرى أبو البشر أن المسؤولية لا تقتصر بالضرورة على الأشخاص الذين يرتكبون الجرائم بصورة مباشرة، وإنما يمكن أن تمتد، بحسب طبيعة المشاركة والأساس القانوني المنطبق، إلى الجهات والشبكات التي تساهم في تمكين ارتكابها، بما في ذلك شبكات التجنيد والنقل والجهات التي توفر أشكالاً مختلفة من الدعم.

وأوضح أن بعض القواعد والمعاهدات الدولية تتناول أفعالاً مرتبطة بالتجنيد والنقل، بما في ذلك في سياقات تتعلق بالمرتزقة أو تجنيد الأطفال، ويمكن أن تكتسب هذه الأفعال أهمية جنائية عندما ترتبط بتسهيل ارتكاب جرائم دولية.

لكنه شدد على أن بناء المسؤولية القانونية يتطلب ربط سلوك الشركة أو المؤسسة أو الدولة أو الفرد بجريمة محددة، وتحديد طبيعة مساهمته في تمكين الجريمة، وليس مجرد إثبات وجود علاقة أو تعامل مع أحد أطراف الن.زاع.

وفيما يتعلق بالسلاح، ميّز أبو البشر بين توريد السلاح في حد ذاته وبين المساهمة في استخدامه لارتكاب جرائم دولية، موضحاً أن توريد السلاح لا يعني تلقائياً أن الدولة المصدرة مسؤولة عن كل جريمة تُرتكب باستخدامه.

وقال: «إن المسؤولية يمكن أن تُثار عندما تتوافر ظروف تربط الجهة الموردة بالاستخدام غير المشروع للسلاح، بما في ذلك العلم، أو ما كان ينبغي أن يكون معلوماً لها، بشأن احتمال استخدامه في ارتكاب انتهاكات».

ويشير إلى أن الدول التي تمر عبر أراضيها عمليات نقل الأسلحة والمقاتلين إلى أطراف الن.زاع قد تكون أمام التزامات دولية تتعلق بمنع نقل الأسلحة بصورة تخالف القرارات الدولية ذات الصلة.

وفرض مجلس الأمن حظراً على الأسلحة في دارفور بموجب القرار 1556 الصادر عام 2004، ثم عُدّل نطاق الحظر وعُزّز بموجب القرار 1591 الصادر عام 2005.

«المسؤولية قد ترتبط أيضاً بالتزامات أخرى بموجب المعاهدات والقانون الدولي، عندما تكون الدولة متورطة في نقل الأسلحة أو تسهيله مع العلم، أو في ظروف كان ينبغي معها العلم، بإمكانية استخدامها في ارتكاب انتهاكات»، يؤكد أبو البشر.

وتدعو بعثة تقصي الحقائق إلى تنفيذ حظر الأسلحة المفروض على دارفور، كما تطالب مجلس الأمن بتوسيعه ليشمل السودان بأكمله.

المساءلة.. من يحاسب من؟

وحول المساءلة، يرى أبو البشر أن الأدوات القانونية للمساءلة موجودة، وأن المشكلة الأساسية في التعامل مع شبكات الدعم الخارجي للح.رب لا تكمن بالضرورة في غياب القواعد أو الأدلة، وإنما في الإرادة السياسية لتنفيذ القانون الدولي. وأوضح أن تنفيذ القانون الدولي يعتمد بدرجة كبيرة على تعاون الدول وإرادتها، إذ لا توجد شرطة دولية تتولى بصورة تلقائية توقيف الأشخاص وتنفيذ الأحكام كما يحدث في الأنظمة الوطنية.

وأشار إلى أن ملاحقة الأفراد الذين يرتكبون الجرائم داخل السودان لا تكفي إذا ظلت الشبكات التي توفر لهم السلاح والدعم والخدمات المختلفة قائمة، داعياً إلى استهداف هذه الشبكات وفرض عقوبات مباشرة على الأفراد والجهات المتورطة فيها.

وبشأن آليات المساءلة، أوضح أن محكمة العدل الدولية يمكن أن تنظر في مسؤولية الدول عندما يتوافر أساس لاختصاصها، بينما تختص المحكمة الجنائية الدولية بمساءلة الأفراد عن الجرائم الداخلة في اختصاصها. كما يمكن أن تكون المحاكم الوطنية، بما فيها المحاكم التي تطبق مبدأ الاختصاص العالمي، مساراً لملاحقة بعض الأفراد وفق قوانين الدول المعنية.

وفي حالة السودان، فإن إحالة مجلس الأمن للوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب القرار 1593 الصادر في 31 مارس 2005 هي أساس اختصاص المحكمة في هذه الحالة.

وشدد أبو البشر على أهمية تفعيل الآليات الأفريقية، خصوصاً الاتحاد الأفريقي وآلياته المختلفة، مشيراً إلى أن عدداً من مسارات نقل الأسلحة إلى السودان يمر عبر دول أفريقية، مما يجعل للآليات الإقليمية دوراً مهماً في التعامل مع هذه الشبكات وتنفيذ الإجراءات اللازمة.

ح.رب تغذيها الحدود

يؤكد تقرير بعثة تقصي الحقائق أن الح.رب في السودان لم تعد شأناً داخلياً خالصاً؛ فالسلاح والمقاتلون والتكنولوجيا والإمدادات تعبر الحدود عبر شبكات متعددة، مما يعزز قدرة أطراف الن.زاع على مواصلة القتال.

وبينما تدفع واشنطن نحو حظر شامل للأسلحة على السودان، ترى البعثة أن مواجهة الح.رب تتطلب أيضاً تتبع شبكات التجنيد والتمويل والنقل والإمداد، والتحقيق في صلاتها بالانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون.

ويبقى السؤال الذي يطرحه التقرير: إلى أي مدى يمكن أن تستمر الح.رب ما دامت قنوات الدعم الخارجي مفتوحة، ومن يتحمل المسؤولية عندما يتحول هذا الدعم إلى وسيلة لارتكاب انتهاكات لا تزال مستمرة ضد المدنيين؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.