طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
إذا كانت الحلقتان السابقتان قد حاولتا فهم كيف يبدأ التساقط وكيف يتحول الجرح إلى تكتل وخصومة، فإن السؤال الأكثر أهمية الآن ليس: من المخطئ فقط؟ وإنما: ماذا تعلمنا التجربة؟ وكيف يمكن أن تتحول الجراح القديمة من عبء على الذاكرة إلى معرفة تحمي المستقبل؟
من الأفكار المركزية في دراسة الأستاذ المناضل محمد ضياء الدين اعتبار النظام الداخلي أكثر من مجرد مجموعة من العقوبات. وهذا صحيح من الناحية النظرية؛ فالنظام الداخلي يصبح ذا معنى حقيقياً عندما يكون ترجمة لفلسفة الحزب في التنظيم، والعلاقة بين الحرية والانضباط، وبين النقد والالتزام، وبين الفرد والمؤسسة. لكن هنا تفتح الدراسة سؤالاً أكبر مما تجيب عنه: ليس المهم فقط ماذا يقول النظام الداخلي، وإنما كيف يُمارس.
فالنصوص وحدها لا تمنع التكتل. ووجود حق النقد في النظام لا يعني بالضرورة أن العضو يشعر بأن نقده مسموع. ووجود آليات للشكوى لا يعني أن كل شكوى عولجت بالسرعة والشفافية الكافيتين. ولهذا فإن الحصانة التنظيمية لا تُبنى بالنصوص وحدها، وإنما بالثقة في تطبيق النصوص.
فإذا كان النظام الداخلي يمنح العضو حق الخروج من الحزب، مع الالتزام بعدم الإضرار به أو كشف أسراره، فإن هذه الفكرة تحمل دلالة أعمق من كونها مادة تنظيمية. إنها تعني أن الانتماء ليس سجناً، وأن العضوية لا تلغي حرية الإنسان. ومن هنا يمكن صياغة المبدأ ببساطة شديدة: ليس الانتماء سجناً، كما أن الخروج ليس إعلان حرب.
فالإنسان قد يختلف، وقد يعجز عن الاستمرار، وقد تتغير قناعاته، وقد يقرر مغادرة التنظيم. وهذا في ذاته لا يحوله إلى خصم. لكن هناك فرقاً أخلاقياً وسياسياً واضحاً بين الخروج من الحزب وبين العمل ضده، وبين إنهاء علاقة تنظيمية وبين تحويل أسرار التنظيم ورفاق الأمس إلى أدوات للصراع. وهذا التفريق بالغ الأهمية؛ لأنه يحفظ للإنسان حريته ويحفظ للمؤسسة حقها في الحماية في الوقت نفسه. فليس كل خروج سقوطاً، وليس كل نقد انحرافاً، وليس كل اختلاف مؤامرة. كما أن ليس كل من بقي داخل التنظيم قد بلغ بالضرورة أعلى درجات الالتزام. المعيار إذن ليس الخروج، وإنما ما يفعله الإنسان بعد الخروج، وليس النقد، وإنما طبيعة النقد، وليس الاختلاف، وإنما الطريقة التي يُدار بها الاختلاف. فهناك من يخرج ويبقى وفياً لتاريخه، وهناك من يخرج فيحوّل تاريخه إلى سلاح ضد رفاق الأمس. وبين الحالتين مسافة أخلاقية وسياسية لا يجوز طمسها.
إذن، الانتماء اختيار، والاستمرار مسؤولية، والخروج حق، والخصومة خيار آخر لا يفرضه الخروج. ولذلك يجب أن نفرّق بوضوح بين من أنهى علاقته التنظيمية، ومن انتقد تجربة أو قيادة، ومن اختار أن يعمل ضد المؤسسة. فهذه ليست حالة واحدة، وخلطها جميعاً تحت عنوان واحد يفسد فهم الظاهرة قبل أن يبدأ الحكم عليها.
ومن أكثر أجزاء الدراسة إثارة للاهتمام حديثها عن «الشللية» والتكتل. فإذا كانت الرفاقية قد بدأت بوصفها رابطة نضالية، فإن الخطر يبدأ عندما تتحول إلى ولاء شخصي يتقدم على الولاء للمؤسسة والفكرة. ولذلك فإن حماية التنظيم لا تعني القضاء على العلاقات الشخصية، وإنما منع تحولها إلى مراكز نفوذ مغلقة.
وهنا يأتي الدرس الأهم من التاريخ: لا يكفي أن نعرف كيف نشأ الانقسام، بل يجب أن نعرف لماذا لم تستطع المؤسسة احتواءه في مراحله الأولى.
ومن هنا نصل إلى واحدة من أهم الإضافات التي يمكن استخلاصها من الدراسة: الفجوة بين النظام كما يُكتب والنظام كما يُعاش. قد تكون حقوق النقد والشكوى والمراجعة موجودة في النص، لكن القيمة الحقيقية لهذه الحقوق تبدأ عندما يشعر العضو أنها تعمل فعلاً، وأن صوته يصل، وأن الشكوى تجد من يسمعها، وأن القرار يمكن مراجعته دون أن يتحول صاحب الرأي إلى خصم.
فالمؤسسة لا تحميها النصوص وحدها، بل تحميها الثقة في النص، والثقة فيمن يطبقه، والثقة في عدالة المؤسسة ذاتها. ومن هنا فإن أي استراتيجية مستقبلية لمنع التساقط ينبغي أن تتجاوز العقوبة إلى الوقاية، وتتجاوز مواجهة التكتل بعد ظهوره إلى اكتشاف أسبابه قبل أن يتحول إلى ظاهرة. وإذا أردنا تحويل مفهوم الحصانة من فكرة أخلاقية إلى منهج تنظيمي، فيمكن القول إن الحصانة لا تنتج من عامل واحد، وإنما من معادلة متكاملة: إنسانٌ تربى على المبدأ، ومؤسسةٌ عادلة في إجراءاتها، وقيادةٌ قادرة على الاستماع والمراجعة، ونظامٌ واضح في حقوقه وواجباته، ورفاقيةٌ تمنع الخلاف من التحول إلى عداوة. فإذا اختل أحد هذه العناصر، اتسعت مساحة الهشاشة، وإذا تكاملت، أصبح الاختلاف قابلاً للإدارة دون أن يتحول إلى انقسام. وهنا يمكن اختزال الحصانة المطلوبة في منظومة خماسية متكاملة، على النحو الآتي:
-
الحصانة الفكرية: تحمي الفكرة من أن تتحول إلى مجرد شعار أو إلى تفسير شخصي مغلق.
-
الحصانة النفسية/الأخلاقية: تحمي الإنسان من تحويل الجرح الشخصي إلى قضية مبدئية، ومن ربط الكرامة بالموقع.
-
الحصانة المؤسسية: تحمي التنظيم من هيمنة الأشخاص والتكتلات.
-
الحصانة العدلية: تضمن عدالة الإجراءات، والمراجعة، وسماع الشكوى، وتساوي المعايير.
-
الحصانة الرفاقية: تحافظ على الإنسان حتى في لحظة الخلاف، بحيث لا يتحول الاختلاف إلى كسر للعلاقة أو إلى تشهير وانتقام.
فإذا اجتمعت هذه الدوائر، أصبح التنظيم أكثر قدرة على استيعاب الاختلاف، وتحويل التجربة إلى معرفة، وحماية الفكرة من ضعف الإنسان.
لكن المسؤولية هنا ليست مسؤولية العضو وحده. فالقيادة ليست خارج الظاهرة، بل هي جزء من شروط الوقاية منها. وكما أن العضو مطالب بمراجعة ذاته، فإن المؤسسة مطالبة بمراجعة الطريقة التي تتعامل بها مع أعضائها؛ لأن بعض الانحرافات قد تبدأ من ضعف الإنسان، وبعضها قد يتغذى على ضعف المؤسسة. فالقيادة التي تريد منع التكتل مطالبة أيضاً بأن تسأل نفسها: هل استمعنا قبل أن نحاسب؟ هل شرحنا قبل أن نطلب الالتزام؟ هل أتحنا مساحة للنقد قبل أن يتحول النقد إلى غضب؟ وهل أدركنا أن بعض الأزمات التي تبدو في نهايتها تكتلاً كانت في بدايتها مجرد شكوى لم تجد من يسمعها؟
ومن أخطر أخطاء المؤسسات أن تصنع خصمها بنفسها؛ فالإنسان الذي كان يمكن أن يبقى مختلفاً داخل المؤسسة قد يتحول إلى خصم إذا شعر أن كل اعتراض عليه سيُقرأ بوصفه خيانة، وأن كل مطالبة بالتفسير تمرد، وأن كل محاولة للمراجعة خروج على الصف. لذلك فإن الحكمة التنظيمية ليست في منع الاختلاف، وإنما في منع الاختلاف من أن يصبح الطريق الوحيد المتاح أمام الإنسان.
إن التنظيم الذي يريد أن يحمي نفسه من الانحراف عليه ألا يكتفي بمطالبة أعضائه بالنقد الذاتي، بل يحتاج كذلك إلى ممارسة نقد ذاتي مؤسسي. وهنا تأتي التربية. فالتربية الحزبية ليست مجرد تثقيف حزبي؛ فأن يعرف الإنسان تاريخ الحزب ومبادئه شيء، وأن تتحول تلك المبادئ إلى سلوك في لحظة الاختبار شيء آخر. فالتربية الحقيقية لا تظهر في الاجتماع حين يكون الجميع متفقين، وإنما تظهر عندما يفقد العضو موقعه، ويختلف مع رفيقه، ويُرفض رأيه، ويتقدم عليه من هو أصغر منه، أو يصدر قرار لا يراه صائباً. عندها فقط نعرف هل تحولت الفكرة إلى شخصية، أم بقيت معلومات محفوظة في الذاكرة. ولهذا فإن التربية الحزبية ليست مادة إضافية في البناء التنظيمي، وإنما هي خط الدفاع الأول ضد التساقط، لأنها تعمل قبل الأزمة، بينما تعمل الإجراءات التنظيمية غالباً بعد ظهورها.
والتربية التي نحتاجها هنا ليست تربية على الطاعة، وإنما تربية على المسؤولية؛ ليست صناعة عضو يخاف من مخالفة القيادة، وإنما صناعة بعثي يستطيع أن يختلف دون أن يفقد بوصلته، وأن يلتزم دون أن يلغي عقله، وأن يمارس النقد دون أن يتحول إلى خصومة. فالانضباط الذي لا يسبقه وعي يتحول إلى طاعة، والطاعة التي لا يحكمها المبدأ يمكن أن تتحول بدورها إلى أحد أبواب الأزمة.
ومن هنا يمكن أيضاً تطوير العلاقة بين العضو والمؤسسة على أساس أن الموقع تكليف لا امتياز، وأن القيادة مسؤولية لا ملكية، وأن النقد حق لا خيانة، وأن الالتزام لا يعني تعطيل العقل. ولعل إحدى أهم وظائف التربية التنظيمية أن تفصل في وعي الإنسان بين ذاته وموقعه؛ لأن أخطر لحظات التساقط تبدأ عندما يصبح الموقع جزءاً من تعريف الإنسان لنفسه. فإذا كان العضو يرى نفسه من خلال موقعه، فإن فقدان الموقع يبدو له فقداناً للذات، أما إذا كان يرى الموقع تكليفاً مؤقتاً، فإن انتقاله من موقع إلى آخر يبقى حدثاً تنظيمياً لا أزمة وجودية.
وبالتالي، فإن المؤسسة التي تجعل الإنسان يشعر بأن قيمته لا تتحدد بموقعه تكون أكثر قدرة على حماية الإنسان من أزمة فقدان الموقع. والعضو الذي يتعلم منذ البداية أن موقعه مؤقت وأن الفكرة أكبر منه، يكون أقل عرضة لتحويل فقدان الموقع إلى أزمة هوية.
فالاستماع وحده لا يكفي، إذ تحتاج المؤسسة إلى ما هو أعمق: العدالة. فالعضو يستطيع أن يتقبل قراراً لا يوافق عليه إذا شعر أن القرار صدر وفق قاعدة عادلة، وأن المعايير واحدة، وأن كرامته لم تُمس، وأن حقه في الاعتراض محفوظ. أما حين يشعر الإنسان بأن القواعد تُطبق على البعض ولا تُطبق على البعض الآخر، فإن الجرح لا يعود ناتجاً عن فقدان موقع فقط، وإنما عن فقدان الثقة في عدالة المؤسسة. ومن هنا تصبح العدالة التنظيمية جزءاً من الوقاية من التكتل، لا مجرد قيمة أخلاقية إضافية.
#ملف_الهدف_السياسي #حزب_البعث #الفكر_السياسي #دراسات_فكرية #الهدف

Leave a Reply