عارف علي موسى لـ«ملف الهدف الثقافي»:

صحيفة الهدف
  • المولد السوداني اجتماع على المحبة.. وإذا كانت محبة النبي ﷺ حقيقية فلنرحم بعضنا بعضاً
  • الحرب لم تدمر الحجر وحده.. بل أصابت الذاكرة الجماعية للسودانيين
  • محبة الرسول في وجدان السودانيين.. من شعار إلى موقف أخلاقي ضد الحرب
  • المديح النبوي ليس طقساً فلكلورياً.. بل مدرسة لترسيخ قيم التعايش ونبذ الكراهية

في السودان، لا يبدو المولد النبوي الشريف مجرد مناسبة دينية تُستعاد فيها سيرة النبي محمد ﷺ، بقدر ما ظل، عبر أجيال متعاقبة، واحداً من الطقوس الاجتماعية والثقافية الأكثر حضوراً في الذاكرة الشعبية. فبين حلقات الذكر والمديح، والخيام المنصوبة في الأحياء والميادين، والمساجد والزوايا والخلاوى، والطعام والزيارات، نشأ نمط سوداني خاص من الاحتفاء بالمناسبة، جعل من محبة الرسول ﷺ مساحة للالتقاء تتجاوز القبيلة والجهة والمكانة الاجتماعية.

لكن الحرب التي مزقت السودان منذ أبريل 2023 أعادت طرح السؤال بصورة أكثر إلحاحاً: ماذا بقي من تلك المساحات التي كان السودانيون يلتقون فيها؟ وكيف يمكن لذكرى مولد نبي الرحمة أن تستعيد معناها في بلد أنهكته الحرب والنزوح والفقد والانقسام؟

في هذا الحوار مع «ملف الهدف الثقافي»، يتحدث عارف علي موسى عن خصوصية المولد النبوي في الوجدان السوداني، وما خسرته المجتمعات السودانية بسبب الحرب، ودور المديح والثقافة والمثقف في مواجهة خطاب الكراهية، كما يطرح رؤية تتجاوز الاحتفال بالمولد إلى الاقتداء بأخلاق صاحبه ﷺ وتحويل المحبة إلى سلوك اجتماعي وموقف من الحرب والعنف والانقسام.

حوار: عبدالمنعم مختار

المولد السوداني.. اجتماع على المحبة

يرى عارف علي موسى أن خصوصية المولد النبوي في السودان لا يمكن تفسيرها باعتباره مناسبة دينية عابرة، بل باعتباره جزءاً من تكوين الشخصية السودانية ووجدانها الشعبي.

ويقول: «أعتقد أن سر هذه الخصوصية يرجع إلى أن محبة رسول الله ﷺ في السودان لم تكن مجرد معرفة ذهنية أو مناسبة دينية عابرة، وإنما أصبحت جزءاً من تكوين الشخصية السودانية ووجدانها الشعبي».

فمنذ الطفولة، وفق موسى، يتلقى السودانيون السيرة النبوية والمديح والصلاة على النبي ﷺ في سياقات متعددة، ويرون الناس يجتمعون في المساجد والميادين والخلاوى والزوايا، لتتحول المناسبة إلى مساحة للقاء بين أفراد المجتمع على اختلاف قبائلهم ومناطقهم وأوضاعهم الاجتماعية.

ويختصر موسى رؤيته للمولد باعتباره «صورة من صور الاجتماع على المحبة»، موضحاً أن الناس لا يجتمعون فقط لاستعادة ذكرى مولده ﷺ، وإنما لتجديد الصلة به وبسيرته وأخلاقه.

ويضيف: «واللافت أن المولد كان في كثير من البيئات السودانية مساحة يتراجع فيها اسم القبيلة والجهة والمكانة الاجتماعية، ويتقدم عليها اسم واحد: محمد رسول الله ﷺ».

ويعتقد أن هذه القيمة تستحق الاستعادة في السودان اليوم، لأن البلاد، بحسب تعبيره، «في أمسّ الحاجة إلى ما يجمعه لا إلى ما يفرقه».

الحرب لم تدمر الحجر وحده.. بل أصابت الذاكرة الجماعية

عند مقارنة المولد قبل الحرب بالمولد في زمن الحرب، لا يجد موسى مساحة كبيرة للتفاؤل؛ فالفرق، كما يقول، «مؤلم جداً».

قبل الحرب، كان المولد جزءاً من دورة الحياة الاجتماعية في المدن والقرى؛ تستعد له المجتمعات، وتنتشر حلقات الذكر والمديح، وتنصب الخيام، ويتبادل الناس الزيارات والطعام، ويأتي المشاركون من مناطق مختلفة للاجتماع والفرح.

أما الحرب، فلم تكتفِ بتدمير المباني أو إتلاف الممتلكات، وإنما ضربت شبكة العلاقات التي كانت تجعل تلك المناسبة ممكنة.

ويقول موسى: «لقد أخذت منا الأمان، والطمأنينة، وصلة الأرحام، والأسواق، والمساجد، والمجالس، والقرى والمدن التي كانت تجمعنا. وأخذت منا كذلك جزءاً من الذاكرة الجماعية».

ويتحدث موسى عن تجربته الشخصية مع الحرب قائلاً: «وأنا كمواطن سوداني اكتويت بنار هذه الحرب، أقول إن الحرب لا تدمر الحجر وحده؛ إنها تدخل إلى قلب الإنسان، وتزرع الخوف والحزن والشك والكراهية».

ومن هنا، يرى أن الاحتفال بالمولد في زمن الحرب لا ينبغي أن يكون مجرد محاولة لاستعادة مظاهر الماضي، وإنما فرصة لإعادة استحضار المعاني التي يحتاج إليها المجتمع السوداني بشدة.

ويقول إن المولد يمكن أن يتحول إلى مناسبة «للدعاء من أجل السودان، واستعادة معنى الرحمة، والتأكيد أن هذا الشعب يستحق أن يعيش آمناً».

من شعار المحبة إلى فعل السلام

طرفا الحرب في السودان يستخدمان خطاباً دينياً ويتحدثان عن الإسلام ومحبة الرسول ﷺ. لكن السؤال الذي يطرحه موسى يتجاوز الخطاب إلى الممارسة: ماذا تعني محبة الرسول ﷺ إذا لم تنعكس على حياة الناس؟

ويقول: «إذا كان الجميع يقولون إنهم يحبون رسول الله ﷺ، فعلينا أن نسأل: ماذا تعلمنا من رسول الله ﷺ؟».

ويؤكد أن النبي ﷺ، في نظره، لم يكن «نبي الشعارات»، وإنما «نبي الرحمة والإصلاح وحقن الدماء»، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.

ومن هذا المنطلق، يرى أن المحبة الحقيقية ينبغي أن يكون أول ثمارها الحرص على حياة الإنسان وكرامته، ورفض قتل السوداني لأخيه السوداني.

ولا يرى موسى أن المولد ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لإدانة طرف بعينه، وإنما إلى نداء أخلاقي موجه للجميع: أوقفوا الحرب.

ويقول: «على كل من يملك قرار السلاح أن يتذكر أن دم السوداني ليس رخيصاً، وأن البيوت التي تُهدم ليست مجرد جدران، وأن الأم التي تفقد ابنها لا يهمها كثيراً تحت أي شعار قُتل».

ويرى أن المطلوب هو تحويل محبة النبي ﷺ من خطاب يُقال باللسان إلى موقف يُترجم في الواقع، عبر وقف القتال، وحماية المدنيين، وإغاثة المحتاجين، وإطلاق الأسرى والمعتقلين وفق القانون، وفتح الطريق أمام المصالحة والسلام.

المديح النبوي.. حين تصبح السيرة لغة شعبية

لا ينفصل الحديث عن المولد في السودان عن المديح النبوي، الذي أصبح واحداً من أبرز مكونات الثقافة الشعبية السودانية.

ويصف موسى المديح النبوي السوداني بأنه «تجربة غنية جداً»، لأنه لم يبقَ محصوراً في النصوص، بل ارتبط بالحياة اليومية للناس.

فهو حاضر في المناسبات الدينية والاجتماعية، وفي الخلاوى والمساجد والمجالس، كما ظلت ألحانه وكلماته محفوظة في الذاكرة الشعبية.

لكن ما يميز التجربة السودانية، في نظره، هو قدرتها على تحويل محبة النبي ﷺ إلى لغة شعبية يفهمها الجميع؛ الفقيه والعامل والمزارع والطالب والمرأة والطفل.

غير أن موسى يذهب إلى أبعد من الجانب الجمالي للمديح، ويرى أنه يمكن أن يصبح مدرسة في السيرة والأخلاق إذا أُحسن توظيفه.

ويطرح أسئلة مباشرة: «حين نمدح النبي ﷺ علينا أن نسأل أنفسنا: هل تعلمنا الصدق منه؟ هل تعلمنا الرحمة؟ هل تعلمنا العفو؟ هل تعلمنا احترام الإنسان؟ هل تعلمنا أن نصلح بين الناس؟».

وبالنسبة إليه، فإن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كان المديح مجرد أداء فني جميل، أم أصبح قوة أخلاقية حقيقية في المجتمع.

خصوصية سودانية لا تقوم على المفاضلة

وعند مقارنته بتجارب الاحتفال بالمولد في البلدان العربية والإسلامية، لا يرى موسى أن المطلوب هو القول إن تجربة أفضل من أخرى، فلكل مجتمع طريقته وتقاليده في التعبير عن محبة النبي ﷺ.

لكن التجربة السودانية، كما يقول، تتميز بالمساحة الواسعة التي احتلها المولد في الحياة الاجتماعية والثقافية، وبمشاركة شعبية واسعة.

ويعدد بعض أبرز مظاهرها في المديح الجماعي، وحلقات الذكر، والخيام، والطعام، وتبادل الزيارات، والاجتماع الشعبي الواسع.

إلا أن الأهم بالنسبة إليه هو ما وراء هذه المظاهر من لقاء.

فالمولد، في تقديره، أصبح عند كثير من السودانيين فرصة للقاء الناس بعضهم ببعض، وهي قيمة يكتسب استعادتها أهمية استثنائية في زمن الحرب.

ويقول: «وأظن أن هذه القيمة الاجتماعية مهمة جداً في زمننا الحالي؛ لأننا فقدنا كثيراً من مساحات اللقاء بسبب الحرب، والمولد يمكن أن يعيد تذكيرنا بأن المجتمع لا يعيش إلا بالتواصل والتراحم».

المثقف أمام امتحان الكراهية

الحرب لم تضع المجتمع السوداني أمام أزمة سياسية وعسكرية فقط، وإنما أمام أزمة ثقافية وأخلاقية أيضاً، مع تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية والجهوية.

وهنا يحمّل موسى المثقف السوداني مسؤولية خاصة.

فالسودان، بحسب رؤيته، أنتج عبر تاريخه شعراً ومديحاً وأدباً وفناً غنياً، واستلهم مبدعوه كثيراً من القيم الدينية والإنسانية.

لكن المرحلة الراهنة تفرض سؤالاً جديداً: كيف تتحول هذه الثقافة إلى قوة لمواجهة خطاب الكراهية؟

ويقول: «لا يكفي أن نكتب عن جمال النبي ﷺ، وإنما ينبغي أن نستخرج من سيرته ما نحتاجه اليوم».

ويرى أن السيرة النبوية يمكن أن تكون مصدراً لمشروع ثقافي جديد، لأنها تقدم نموذجاً في مواجهة التعصب وبناء التعايش.

ويقول إن النبي ﷺ «واجه التعصب بالإنسانية، وجمع بين الناس على أساس التقوى والكرامة الإنسانية، ووضع أسساً للتعايش في مجتمع متعدد».

ومن هنا يستطيع المثقف السوداني، بحسب موسى، أن يجعل من السيرة النبوية مصدراً لمشروع ثقافي يقوم على نبذ العنصرية والجهوية وخطاب الكراهية، وإعادة تعريف السوداني باعتباره إنساناً قبل أن يكون منتمياً إلى قبيلة أو منطقة أو جماعة.

هل نحتفل بالمولد أكثر مما نتمثل أخلاق صاحبه؟

يصف موسى هذا السؤال بأنه «مؤلم، لكنه ضروري».

ولا يتردد في الإجابة بالإيجاب، محذراً من أن يتحول الاحتفال إلى عادة إذا انفصل عن المعنى الذي من أجله يحتفل الناس.

ويقول: «لا مشكلة في الفرح بالمولد، ولا في المديح، ولا في الاجتماع على ذكر النبي ﷺ؛ بل إن هذه مظاهر محبة عظيمة عند من يفعلها بقلب صادق. لكن المحبة الحقيقية لها ثمرة».

ثم يضع التناقض في صورة شديدة الوضوح: «لا يمكن أن أرفع صوتي بالصلاة على النبي ﷺ، ثم أرفع يدي على إنسان لا يوافقني. ولا يمكن أن أمدح نبي الرحمة، ثم أفرح بقتل إنسان».

ثم يعود إلى الآية القرآنية: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، ليقول إن الاحتفال بمن وصفه الله بالرحمة لا يستقيم مع تبرير الكراهية والانتقام والتشريد.

ومن هنا يضع معياراً مختلفاً للاحتفال: «المولد الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الاحتفال: هل أصبحت أرحم؟ هل أصبحت أكثر عفواً؟ هل أصبحت أصلح بين الناس؟ هل توقفت عن ظلم من يختلف معي؟».

فإذا تحققت هذه المعاني، يقول موسى، نكون قد انتقلنا «من الاحتفال بالمولد إلى الاقتداء بصاحب المولد ﷺ».

من المولد إلى المصالحة.. هل يمكن أن يكون الاحتفال جسراً للسلام؟

في بلد مزقته الحرب، يرى موسى أن محبة الرسول ﷺ يمكن أن تصبح نقطة التقاء، لا مجرد شعار مشترك.

ويقول: «نعم، وأعتقد أن السودان في حاجة إلى ذلك أكثر من أي وقت مضى».

وهو لا يرى المولد مجرد ذكرى تاريخية، وإنما فرصة لطرح سؤال أخلاقي كبير: «ماذا كان سيفعل رسول الله ﷺ لو رأى حال السودان اليوم؟».

ومن هنا تأتي رسالته إلى طرفي الحرب، وإلى كل من يمتلك سلاحاً أو تأثيراً أو كلمة مسموعة: «كفى حرباً».

ويطالب بتحويل المناسبة إلى فرصة لوقف نزيف الدم، وحماية المدنيين، وإغاثة الجائعين، وإعادة النازحين، وفتح أبواب الحوار والمصالحة.

لكن رسالته لا تتوقف عند أطراف الحرب، وإنما تمتد إلى المجتمع نفسه.

ويقول: «لا تجعلوا الحرب تسرق منا إنسانيتنا. لا تجعلوا اختلاف المواقف السياسية يتحول إلى كراهية بين أبناء الوطن الواحد. لا تسمحوا للعنصرية والجهوية وخطاب الكراهية أن تهدم ما تبقى من النسيج الاجتماعي».

ويرى أن السودانيين، رغم اختلافاتهم، يستطيعون الاجتماع على كلمة واحدة: «حب رسول الله ﷺ وحب السودان».

«يا أهل السودان، إن كنا نحب محمداً ﷺ فلنرحم بعضنا بعضاً. وإن كنا نمدحه فلنتمثل أخلاقه. وإن كنا نصلي عليه فلنصلح بين الناس. وإن كنا نفرح بمولده فلنجعل من ذكراه بداية لحياة جديدة يسودها الأمن والسلام».

ثم يرسم صورة للسودان الذي يتمنى أن يأتي عليه المولد المقبل: «وأتمنى أن يأتي مولد نبوي في السودان وقد توقفت البنادق، وعادت الأسر إلى بيوتها، وعاد النازحون إلى قراهم، وفتحت المدارس والمساجد والأسواق أبوابها، وجلس السودانيون معاً لا ليسأل بعضهم بعضاً: “أنت مع من؟” وإنما ليسأل بعضهم بعضاً: “كيف نبني السودان معاً؟”».

ويختتم موسى حديثه بالتأكيد على أن السودان وطن يتسع للجميع، وأن الرحمة يمكن أن تكون مدخلاً للخروج من دائرة الخصومة والانتقام: «فالسودان وطن يسعنا جميعاً، ورسول الله ﷺ علّمنا أن الرحمة أوسع من الخصومة، وأن الإصلاح خير من الانتقام».

ثم يرفع دعاءه للسودان: «اللهم اجعل مولد نبي الرحمة ﷺ بشارة سلام على السودان، وألّف بين قلوب أهله، واحقن دماءهم، واحفظ بلادهم، وردّ إليها الأمن والعافية».

#ملف_الهدف_الثقافي #المولد_النبوي #السودان #عارف_علي_موسى #المديح_النبوي #محبة_الرسول #سلام_السودان #وحدة_الوطن

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.