زين العابدين الطيب عثمان
ليلة المولد يا أجمل الليالي
ويا أطيب الذكريات وأعطرها
يا ليلةً تتفتح فيها القلوب قبل أن تتزين الساحات
وتسمو فيها الأرواح قبل أن ترتفع أصوات المدائح
إن مولد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ليس مجرد مناسبة تتكرر في ذاكرة الزمان
ولا احتفالًا عابرًا تنقضي أيامه ثم تعود الحياة إلى ما كانت عليه
إنه مناسبة عظيمة تستدعي فينا معاني المحبة والسلام والرحمة والتسامح والأمن والأمان
وتعيد إلى الذاكرة جوهر الرسالة التي جاء بها خير البرية رحمةً للعالمين
فالمولد في معناه الأعمق دعوة إلى مراجعة علاقتنا بالإنسان
وإلى إعادة اكتشاف قيمة المحبة في حياتنا
وأن ننتصر على الكراهية بالرحمة
وعلى الخصومة بالعفو
وعلى الانقسام بالتآخي
وعلى العنف بالسلام
وهنا تتجلى عظمة التصوف السوداني في واحدة من أبهى صوره
فالتصوف الحقيقي ليس مظهرًا ولا ثوبًا ولا كلمات تقال
وإنما هو سلوك وأخلاق ومحبة وتواضع ونكران للذات وإيثار للآخر
هو أن يرى الإنسان نفسه خادمًا للناس لا متعاليًا عليهم
وأن يجعل من قلبه مساحة تتسع للجميع
المولد والمديح النبوي في السودان
للمولد النبوي في السودان خصوصية استثنائية
فقد ارتبطت هذه المناسبة عبر أجيال طويلة فن المديح النبوي الذي أصبح واحدًا من أهم مكونات الوجدان السوداني ومن أعمق مظاهر التعبير عن المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم
فالمديح السوداني لم يكن مجرد أناشيد تقال في المناسبات
بل كان مدرسة في اللغة والشعر والأداء والتربية الروحية
وكان المادحون يحملون رسالة تتجاوز جمال الصوت وحسن الأداء إلى ترسيخ المحبة والأخلاق والتواضع والذكر في نفوس الناس
ومن الوفاء ونحن نتحدث عن المولد والمديح في السودان أن نستذكر أولئك الشيوخ الأجلاء الذين أسهموا في تأسيس هذا التراث وتطويره ونقله من جيل إلى جيل
وتركوا بصماتهم الواضحة في مسيرة المديح النبوي السوداني
ومن بين هؤلاء السادة الشيخ محمد ود صالح والشيخ صالح الأمين الذي ارتبط اسمه ببدايات مهمة في مسيرة المديح
حيث كان من أوائل من بدأوا المديح في خلوة والده بمنطقة قوز الشيخ بدر الذي سار على درب جده الشيخ سلمان ود العوضية (البادراب)
ومن هناك وجد المديح طريقه إلى القلوب والساحات وأصبح جزءًا أصيلًا من الحياة الروحية والاجتماعية للناس
ثم تواصلت هذه المسيرة المباركة بأسماء شيوخ وأعلام كان لهم أثر كبير في نشر المديح وتطويره وترسيخ أساليبه
ومنهم السيد الشريف يوسف الهندي الذي تتلمذ على يده الشيخ محمد ود صالح
ثم جاء من بعدهم عقد من الشيوخ والرواة الذين كان لهم دور عظيم في حفظ المديح وروايته ونشره بين الناس
ومن أبرزهم الشيخ حاج العاقب والشيخ حاج الماحي والشيخ علي ود حليب والشيخ عبد القادر محمد جبور المعروف بقدورة والشيخ أحمد ود سعد والشيخ أحمد أب شريعة والشيخ عبد الرحيم البرعي
إضافة إلى مجموعة كبيرة من الشيوخ والرواة الذين أسهموا في إثراء هذا التراث والمحافظة عليه
وكل واحد من هؤلاء يمثل صفحة مضيئة في كتاب المديح السوداني
فقد حملوا المحبة في أشعارهم وأصواتهم
وحولوا المديح إلى مساحة للذكر والتربية والتواصل الاجتماعي
وظل أثرهم ممتدًا في المادحين والمحبين حتى يومنا هذا
ومن الأسماء التي تستحق التوقف عندها أيضًا الشيخ محمد النقر الذي ارتبط اسمه بتطور مهم في أداء المديح من خلال إدخال الطار في المديح لذلك لقب بالنقر لأنه أول من نقر الطار
وكانت بدايات ذلك من قوز بدر أيضًا
ليصبح الإيقاع عنصرًا حاضرًا في الساحة ويضيف إلى المديح بُعدًا جديدًا في الأداء الجماعي ويزيد من قدرته على الوصول إلى وجدان الناس
وهكذا لم يكن المديح السوداني فنًا جامدًا
بل ظل يتطور ويتجدد مع المحافظة على جوهره:
المحبة والذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتربية على مكارم الأخلاق
قوز بدر وذاكرة المولد
وحين نذكر قوز بدر فإننا لا نذكر مكانًا جغرافيًا فحسب
بل نستحضر جزءًا مهمًا من ذاكرة المولد والمديح في السودان
ذاكرة ارتبطت بالشيوخ والخلاوي والمدائح ورواة الشعر
وبالساحات التي كان الناس يجتمعون فيها على المحبة والذكر
وتكتسب احتفالات المولد في مناطق قوز بدر والشيخ بدر وعترة وكُلي التي رحل إليها الشيخ صالح قيمة خاصة
فهي لا تمثل مجرد استمرار لعادة اجتماعية
بل تمثل امتدادًا لتراث روحي وثقافي شاركت في صناعته أجيال من العلماء والشيوخ والمادحين والمحبين
لقد كانت الخلوة مدرسة
وكان الشيخ معلمًا ومربيًا
وكان المادح شاعرًا وراوية
وكانت الساحة فضاءً يجتمع فيه الناس على المحبة
ومن هذه البيئة خرج كثير من ألوان المديح التي أصبحت فيما بعد جزءًا أصيلًا من الذاكرة السودانية العامة
المولد في السودان وطن للمحبة
ولذلك فإن المولد في السودان يتجاوز حدود المناسبة الدينية ليصبح مناسبة اجتماعية وثقافية وروحية جامعة
تلتقي فيها الطرق الصوفية
وتجتمع الأسر
ويحضر الشيوخ والمادحون
وتتعالى أصوات الذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
وتفتح البيوت أبوابها للناس
وتصبح الساحات مكانًا للتلاقي والتسامح والتكافل
وفي هذه الساحات يلتقي الفقير والغني
والشيخ والشاب
والعالم والبسيط
وتتجاور الطرق والمذاهب الروحية في مشهد سوداني أصيل يؤكد أن المحبة قادرة على جمع ما تعجز السياسة أحيانًا عن جمعه
وهذه هي الصوفية التي نعرفها ونحترمها
الصوفية التي تعني المحبة ونكران الذات وحب الآخر وخدمة الناس والتواضع والتسامح والعيش مع الآخرين بسلام
رسالة المولد في زمن الحرب
وفي السودان الذي أنهكته الحرب وأثقلته الأحزان
تأتي ذكرى المولد هذا العام برسالة أكثر أهمية من أي وقت مضى
إنها رسالة تقول إننا في حاجة إلى استعادة روح المحبة
وإلى أن نسمع صوت المديح والذكر فوق أصوات الرصاص
وأن نفتح الساحات للسلام بدلًا من ساحات الموت
وأن نستعيد السودان الذي عرفناه وطنًا للتنوع والتسامح والتعايش
إن المولد ليس فقط أن نحتفل بذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم
بل أن نجعل من سيرته وسلوكه وأخلاقه منهجًا في حياتنا
أن نرحم
وأن نعفو
وأن نتصالح
وأن نحفظ الدماء
وأن نصون كرامة الإنسان
وأن نحب للآخر ما نحب لأنفسنا
وما أجمل أن تكون المدائح التي حفظها الآباء والأجداد رسالة إلى الأبناء بأن السودان أكبر من الحرب
وأكبر من الكراهية
وأكبر من الانقسام
فالسودان الذي أنجب هؤلاء الشيوخ والمادحين
والسودان الذي حفظ هذه المدائح جيلًا بعد جيل
يستحق أن يستعيد عافيته
وأن تعود ساحاته عامرة بالمحبة والذكر والسلام
سلام على الشيوخ الأوائل الذين حملوا راية المديح
وسلام على المادحين الذين حفظوا تراثهم
وسلام على كل من جعل من صوته جسرًا للمحبة
وسلام على أهل المولد في كل ساحات السودان
وسلام على قوز بدر التي ارتبطت ببدايات مهمة في مسيرة المديح السوداني
وسلام على الشيخ بدر الذي هيأ المناخ لهذه المسيرة المباركة
والمسار من القوز وعترة وكُلي
وسلام على كل الخلاوي والساحات التي حفظت هذا التراث ونقلته إلى الأجيال
ليلة المولد يا أجمل الليالي
يا ليلةً تلتقي فيها الأرواح على المحبة
وتتعانق فيها الأصوات بالمديح
وتتجدد فيها العهود على الخير والسلام
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
اللهم اجعل مولده نورًا في قلوبنا
ورحمة في بيوتنا
ومحبة بين أهلنا
وسلامًا في وطننا
ليلة المولد يا أجمل الليالي
ويا ليلةً نرجو أن تلد للسودان فجرًا جديدًا من السلام والمحبة والأمان
وكل عام السودان بألف خير وسلام ووئام
#ملف_الهدف_الثقافي #زين_العابدين_الطيب #المولد_النبوي #المديح_السوداني #قوز_بدر #السيرة_النبوية #محبة_الرسول

Leave a Reply