ربيع القلوب وجلاء الخطوب

صحيفة الهدف

د. أحمد عوض الكريم

تهفو القلوب طربًا بذكراه وكل ربيعٍ ينفحنا بعاطر شذاه.. صلى الله عليك يا علم الهدى والهادي لمكارم الأخلاق.. لم تكن ذكرى مولده الشريف لتمر على قومٍ تشبعوا من رحيق تلكم الحديقة الغنّاء، دون أن يسبغوا عليها نكتهم السودانوية الخالصة…

لا يزال ذلكم الطفل يذكر الموكب المهيب المصطخب ألوانًا وجمالًا وهو يمر قريباً من داره تتقدمه فرقة موسيقية تتبعها فرقٌ براياتها الملونة وطبولها ودفوفها مع إيقاعاتٍ تتعالى وأهازيج في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم، وزغاريد من نسوةٍ قد صففن جانبي الموكب المهيب وبعضهن ينفحن المارة بالبلح وأطباقٍ من البليلة وقد تصاعدت أبخرتها الشهية..

بعض شيوخٍ قد شاقهم الوجد فانحدرت أدمعهم سخيةً وكلهم يُمنى النفس بزيارةٍ لديار الحجاز..

كنا نتبع ذلك الموكب والذي يجوب المدينة لمسافاتٍ لم نكن نعلم بُعدها عن الدار إلا حين أوبتنا قبل المغيب بقليل..

حينها فقط يبدو لنا أن الطريق قد استطالت، فعناء الأوبةِ قد انتقص مَن فرح الذهاب..

في المساء كان الوالد عليه رحمة الله، وهو المعلم المُجيد، ينفحنا ببعض أحاديث من السيرة النبوية، بأسلوبٍ مشوقٍ،

نفرح كفرحة بنت وهب بوليدها الوضيئ وتهتز أفئدتنا شوقًا مع اهتزاز دابة حليمة السعدية وبرفقتها خير أنيس..

تتراءى لنا تلكم الصور في بادية بني سعد ونحن في تلهفٍ للمزيد من ذلكم النبع الصافي..

بحلول عصر اليوم الختامي للاحتفالات يكون صاحبنا قد اخذ أهبته لتلك الزيارة المنتظرة لساحة المولد برفقة والده وإخوته.. لم تكن تفصلنا عنها كثير مسافةٍ فكانت الأرجل هي مطيتنا..

الازدحام وعالم مثير من تشابك الألوان والأصوات قد صورَهُ لنا شاعرنا المرهف / محمد المهدي المجذوب: صلِّ ياربِّ على المدثر

وتجاوز عن ذنوبي وأغفر

وأعِنّي يا إلهي بمثابٍ أكبر

ليلة المولد ياسر الليالي والجمال

وربيعًا فتن الأنفس بالسحر الحلال

دخلنا ذلك العالم المهيب والأعين تتجول بين خيامٍ وراياتٍ وأقوامٍ من أصنافٍ شتى:

وهنا حلقة شيخٍ يرجحن

يضرب النوبة ضربًا فتئن وترن

ثم ترفضُّ هديرًا أو تجن

وحواليها طبول صارخات في الغبار

حولها الحلقة ماجت في مدار

نقزت ملء الليالي

تحت راياتٍ طوال

كسيفين ذى سوار

في عبابٍ كالجبال

كل هذا وصغيرنا ينتظر المزيد، ولعل والده قد هدته قريحته لما يعتمل في صدر صاحبنا، فأحكم قبضته على كف ابنه والإخوة يتقافزون من حوله لنرى عالمًا آخر قد طال انتظارنا له:

إن نأت عنا وأخفتها الديار

فعروس المولد الحلوة جلّاها التجار

لبست ألوانها شتى أميرة

ما أحيلاها صغيرة

وقفت في كرنفال

فوق عرشٍ دونه الحلوى كنوز

ولآلئ من أساطير الخيال

فهي إن تصمت ففي أعينها

الوسن انتظار

حولها الأطفال داروا

بعيونٍ تلمع الألوان فيها وتذيع

وبها من بهجةٍ رفت دموع

وعند العودة كنا قد أصبنا من نوال الوالد الرحيم الشيء الكثير وكلٌ منا قد عاد بغنيمة ذلك اليوم وقد تصدرت حلوى السمسمية المشهد، أما تلكم الصغيرة فقد احتضنت عروستها الحمراء تزفها هالة ورقية ازدانت بباهى الألوان..

تعاقبت السنون ودار الزمان دورته ويتكرر المشهد في ديارٍ قد تناوشتها آلة الحرب والمسغبة:

لهفةً كم عصف البؤس بأطفالٍ صغار

وردوا المولد بالشوق وعادوا بالغبار

ويح أمٍ حسبوها لو أرادوا النجم جاءت بالدرارى

ويحها تحمل سهر الليل في صحو النهار

وكلنا أملٌ فى عودة الأفراح للجميع، و صفاء الأنفس فى عالمٍ تتسارع وتيرة إيقاعه.. و لنا فى معلم البشرية السراج المنير خير قدوةٍ آسٍ للجراح..

ربيع الأول 1448 هـ

#ملف_الهدف_الثقافي #ربيع_القلوب #أحمد_عوض_الكريم #المولد_النبوي #أم_درمان #السيرة_النبوية #محبة_الرسول

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.