احذروا وقوع الفأس في الرأس

صحيفة الهدف

عباس الشاطر

كان ذلك قبل أن تشتعل الح.رب اللعينة… قبل أن يلتهم اللهب قلوبنا وبيوتنا وذكرياتنا. كنت حينها أشعر بالغربة في وطني، غربة ليست في المكان بل في الأرواح. في آخر زيارة لي إلى الس.ودان – وما عدت أذكر العام – وجدت النفوس قد تبدّلت، كأنني أقف في أرض لا أعرفها، رغم أنني نشأت بين ترابها وشربت ماءها. رأيت الكذب يتوشح وجوهًا أعرفها، والخداع يختبئ في العيون، والنفاق يملأ المجالس، والغش يسري في المعاملات، والفساد والظلم والأنانية يتسلقون جدران الحياة كما يتسلق اللبلاب جدران الخراب. عندها همست في قلبي: اللهم أخرجني من هذه القرية الظالم أهلها.

ثم جاءت الح.رب، ح.رب لا تشبه الحروب، تقتات على دماء الأبرياء، وتقتلع الأطفال من أحضان أمهاتهم، وتنثر الناس كما ينثر الريح أوراق الخريف. سألت نفسي مرارًا: ما هذا الغضب الذي أحرق البلاد؟ أهو عقاب من السماء على فساد الأرض؟ أم أنه حصاد النفوس التي اسودّت وانغلقت على شرّها؟

كيف لا يشعر الس.وداني بالغربة في وطنه؟ كيف لا تتبدد الألفة من بين أضلعه وهو يطوف بين أهله وقلبه مثقل بالوحدة؟ إن الغربة في الوطن تولد حين تضيق أرضك بك، وحين يصبح رزقك رهينة أهواء قلة من الطغاة، وحين تصير كرامتك سلعة في سوق النخاسة السياسية والاقتصادية.

كيف لا يشعر المواطن بالاغتراب حين يُحكم الوطن بقبضة رأسمالية طفيلية متحالفة مع سلطة سياسية جائرة، تعيد إلى الذاكرة تحالف الكنيسة والإقطاع في العصور المظلمة، لكن بوجوه وأسماء جديدة؟ كيف لا، وهو عاجز عن إطعام أطفاله أو تعليمهم أو حماية أحلامهم من الانكسار؟

كيف لا تضيق به الأرض حين يسيطر أقل من 5% من الناس على 95% من ثروات الوطن، وحين تُرفع السيوف في وجه الفقراء وتُفرش الأرض بالذهب للأغنياء؟ كيف لا، والحريات مخنوقة، والقوانين مسلّطة، والدولة العميقة تمسك بخيوط حياته من المهد إلى اللحد؟

كيف لا تغترب روحه وهو يرى الدين يُختطف على المنابر، والخطب تتحول إلى سيوف تكفير وتحريم وتهديد، وثقافة «الحاكم الإله» تُزرع في العقول كأنها قدر لا يُرد؟

كيف لا تغترب المرأة وهي تُهان وتُضرب وتُذل، وتُحرم من حقوقها باسم التقاليد والعادات؟ كيف لا يغترب الشباب وهم محاصرون بين أسوار القبيلة وقيود الماضي، يجرّون خلفهم إرثًا من البطولات المزعومة التي لم تفتح لهم بابًا للمستقبل؟

إنها غربة ليست في الجغرافيا، بل في الروح… غربة وطن فقد ملامحه، ومجتمع نسي قيمه، وأمة ترقص على لحن الهوان وهي تظنه نشيدًا مقدسًا. وغدًا، ما لم تستفق هذه الجماهير من سُباتها، ستبقى الغربة في الوطن أشد قسوة من الغربة خارجه.

#فكر #سودان #مجتمع #سياسة #نقد #ملف_الهدف_الثقافي #الهدف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.