د أسماء حسن التوم
كانت نُهى وهدى صديقتين منذ المرحلة الثانوية.
جمعتهما سنوات الدراسة، ثم فرّقت بينهما الجامعات، لكن المسافات لم تستطع أن تباعد بينهما. ظل التواصل قائمًا، ثم امتد إلى الأسرتين، وزاد قربهما أن منزليهما كانا متجاورين تقريبًا.
كانت هدى بالنسبة إلى نُهى أكثر من مجرد صديقة… كانت «الأنتيم» التي لا تخفي عنها شيئًا.
كانت نُهى تحب الونسة والثرثرة، وتجد متعة كبيرة في سرد الحكايات والتفاصيل الصغيرة التي تحدث معها، بينما كانت هدى مستمعة جيدة، تستمع إليها باهتمام، وتستمتع بطريقة نُهى في سرد الأحداث وتحليلها.
ومضت السنوات…
حتى التقت نُهى بجعفر في أحد كورسات تقوية اللغة الإنجليزية.
لم يحتج الأمر إلى وقت طويل حتى تعلّق قلبها به. وكان إعجاب جعفر بها واضحًا أيضًا؛ فقد كانت طيبة، لبقة، محبوبة من الجميع، وتجيد إدارة الحوارات بطريقة تجعل من حولها يشعرون بالراحة.
كان جعفر قد درس الهندسة المدنية في إحدى جامعات الولايات، وبعد تخرجه بدأ يسعى للحصول على وظيفة، إلى أن تم استيعابه في إحدى الشركات الحكومية.
أما نُهى، فقد وفقت في الحصول على وظيفة بإحدى الوزارات.
وبمرور الوقت، تحوّل الإعجاب إلى حب، وتحول الحب إلى مشروع حياة.
كان جعفر يحلم باليوم الذي يتزوج فيه توأم روحه… نُهى.
وبدآ معًا في توفير المال اللازم للزواج.
وبعد عامين، تحدث جعفر مع والدته عن رغبته في التقدم لنُهى.
لم تتحمس الأم كثيرًا للفكرة، فقد كانت تتمنى أن يتزوج ابنها من «سلوى»، ابنة شقيقتها.
لكن جعفر أصر على اختياره، ولم تجد والدته أمام إصراره إلا أن ترضخ لرغبته.
أما والده، فلم يعترض.
وفي إحدى الأمسيات، جلس الأب مع ابنه وقال له:
— يا ابني، أنا أحترم رغبتك في الزواج ممن اخترتها، ولكن… هل أنت مستعد فعلًا لتحمل مسؤولية الزواج؟
ابتسم جعفر وأجاب:
— نعم يا والدي. كنت أدخر طوال الفترة الماضية كل ما أحصل عليه من حوافز. وحتى عملي المسائي في معهد اللغة الإنجليزية الذي درست فيه سابقًا، فقد اختارتني إدارته لأعمل معهم أستاذًا متعاونًا. وكل ما حصلت عليه ادخرته من أجل الزواج.
لم يخبر جعفر والده أن نُهى أيضًا كانت تدخر جزءًا من راتبها للمساعدة في تجهيز الزواج.
كان ذلك اتفاقًا بينهما.
ورغم أن أسرة نُهى لم تكن بحاجة إلى مساهمتها المالية، فوالدها كان تاجرًا كبيرًا ووضع الأسرة المادي جيدًا، فإنها لم تتردد في دعم جعفر.
كانت فقط تخشى نظرة المجتمع إلى امرأة تساعد في تجهيز زواجها.
لكنها كانت تثق به… وتحبّه.
اكتملت الاستعدادات، وتم الزواج.
وقبل أن تنتقل نُهى إلى منزل الزوجية، اشترطت والدتها أن تسكن ابنتها مع الأسرة في منزلهم.
اعترض جعفر في البداية، لكنه وافق في النهاية، خاصة أنه كان سيضطر إلى استئجار منزل.
وهكذا بدأ الزوجان حياتهما في منزل أهل نُهى.
في البداية، كانت الحياة تبدو هادئة.
لكن نُهى كانت تحب النظام والترتيب، بينما كان جعفر أكثر بساطة في هذه الأمور.
كانت تلاحظ أشياء صغيرة تزعجها.
كان يعصر معجون الأسنان من منتصف الأنبوب، وأحيانًا يتركه مفتوحًا.
وعندما يعود إلى المنزل، كان يخلع جواربه ويرميها بجوار السرير.
فتقول له متذمرة:
— يا جعفر، أرجوك… رتّب حاجاتك!
فيضحك، أو يعتذر، ثم تعود الأمور إلى طبيعتها.
وبعد سنوات، رزقهما الله ببنت وولدين.
كبرت المسؤوليات، وتغيرت الحياة.
ترقى جعفر في عمله، وأصبح أكثر انشغالًا.
أما نُهى، فكانت تعود من عملها لتبدأ عملًا آخر؛ تطهو الطعام، وترعى الأطفال، وتساعدهم في المذاكرة، وتراجع دروسهم.
وكان أكثر ما يضايقها أن جعفر لا يساعدها.
كانت تقول له:
— أنت تظن أن مسؤوليتك تنتهي بمجرد أن توفر المال!
وكان جعفر يرد:
— أنا أعمل طوال اليوم من أجلهم.
لكن نُهى كانت تريد منه أكثر من المال.
كانت تريد زوجًا يشاركها تفاصيل الحياة.
وحين تضيق بها الدنيا، كانت تلجأ إلى هدى.
تجلس معها وتشكو لها، فتستمع هدى كعادتها، ثم تقول كلمة واحدة:
— طولي بالك.
وأحيانًا كانت تضحك وتقول:
— يا زولة، اشتري معجونين وريّحي بالك!
فتضحك نُهى، وتنسى غضبها.
لكن حياة هدى نفسها لم تكن أفضل.
تزوجت من أحد أقاربها، وبعد أشهر قليلة من الزواج سافر زوجها.
مرت سنة… ثم سنتان… ثم خمس سنوات.
وانقطعت أخباره عنها تقريبًا.
وفي النهاية، لم تجد هدى أمامها إلا رفع دعوى طلاق.
وعادت إلى منزل أهلها، الذي كان قريبًا من منزل أسرة نُهى.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت هدى تزور نُهى كثيرًا، خاصة في أيام العطلات.
كانت تجلس لساعات تستمع لحكاوي وشماوي نهي. من جعفر. وما يفعله معها .
وفي تلك الزيارات، كانت تصادف جعفر في المنزل.
شيئًا فشيئًا، لاحظت نُهى أن حديث هدى مع جعفر أصبح طويلًا.
طويلًا أكثر مما ينبغي.
كانت نُهى تنشغل بإعداد الشاي بالحليب والحلوى، وأحيانًا الزلابية، ثم تذهب لمراجعة دروس الأطفال.
وحين تعود، تجد هدى وجعفر منهمكين في الحديث والضحك.
لم تكن تفكر في الأمر كثيرًا.
فهدى صديقتها… وجعفر زوجها.
ماذا يمكن أن يحدث؟
لكن شيئًا ما بدأ يتغير.
صار جعفر يتأخر في العودة إلى المنزل.
وفي بعض أيام العطلات، كان يختفي لساعات.
وحين تسأله:
— أين كنت؟
يجيبها ببساطة:
— في النادي… أو مع بعض الأصدقاء.
كانت نُهى تصدقه.
أو ربما كانت تريد أن تصدقه.
وفي أحد الأيام، أخبرتها هدى أنها ستتزوج.
فرحت نُهى من أجلها، وسألتها:
— من هو؟
قالت هدى:
— أحد المعارف.
ثم أضافت بعد تردد:
— لكنه متزوج ولديه أطفال.
صُدمت نُهى.
قالت لها:
— هدى! لماذا تقبلين أن تكوني زوجة ثانية؟
لكن هدى لم تتراجع.
حددت موعد الزواج، وبدأت نُهى تستعد للذهاب إلى فرح صديقتها، رغم اعتراضها على فكرة الزواج نفسها.
وفي يوم الزفاف…
كان المساء قد حل.
وفجأة، دخل جعفر إلى المنزل مرتديًا جلابية أنيقة وعباءة فاخرة، وعلى كتفيه شال.
نظرت إليه نُهى باستغراب.
وسألته:
— إلى أين؟
قال:
— أحد أصدقائي سيتزوج الليلة، وسأكون شاهدًا على عقد الزواج.
تذكرت نُهى زفاف هدى، فقالت:
— لكن اليوم فرح هدى!
رد بسرعة:
— أعلم… ولكن اعتذري لها. وأبلغيها تمنياتي بزواج سعيد.
لم تشك نُهى في شيء.
أخبرت أختها أن ترافقها إلى حفل زفاف هدى.
استقلتا السيارة، ووصلتا إلى مكان الاحتفال.
كان عقد الزواج قد تم بالفعل.
دخلت نُهى وهي تطلق الزغاريد، والفرحة تملأ وجهها.
كانت تريد أن تحتضن صديقتها وتهنئها.
تقدمت نحو العروس…
ثم مدت يدها نحو العريس قائلة:
— ألف مبرو…
توقفت الكلمة في حلقها.
تجمدت في مكانها.
اتسعت عيناها.
لم تستطع أن تصدق ما تراه.
كان العريس…
جعفر.
زوجها.
زوج صديقتها.
وفي اللحظة التي أدركت فيها الحقيقة، تعالت صرخة أختها:
— تولول! ده شنو؟! جعفر؟! جعفر العريس؟!
لم تسمع نُهى بقية الكلمات.
دار المكان حولها.
ثم سقطت مغشيًا عليها…
لم تكن نُهى تعرف أن بعض الخيانات لا تبدأ بخطوة كبيرة… بل تبدأ بحديث طويل، وصمت قصير، وثقة لا نشك فيها..
١٠أعسطس ٢٠٢٦

Leave a Reply