طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
في كل عام، حين تعود إلى الوجدان الإسلامي ذكرى مولد النبي (ﷺ)، لا تعود إلينا واقعة من الماضي فحسب، ولا يفتح التقويم صفحة من صفحات التاريخ لكي نقرأها ثم نغلقها، وإنما تعود إلينا رسالة كاملة لتضع الحاضر أمام مرآة الماضي، وتسأل الإنسان المعاصر سؤالاً لا يستطيع الاحتفال وحده أن يجيب عنه: ماذا بقي فينا من القيم التي غيّرت وجه التاريخ؟ فالمولد النبوي الشريف، في معناه الأعمق، ليس مجرد استعادة لزمن مضى، ولا مناسبة تختزل في المظاهر الاحتفالية والمدائح واستحضار السيرة بلسان العادة. إنما قيمته الحقيقية في قدرته على تحويل الذاكرة إلى وعي، والوعي إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى عمل.
ولذلك فإن السؤال الأهم في هذه الذكرى ليس: كيف نحتفل بالمولد؟ وإنما: كيف نجعل من ذكرى المولد الشريف مناسبة لإحياء الإنسان الذي يستطيع أن يحمل رسالة؟ فالرسالات الكبرى لا تقاس فقط بما تركته وراءها من آثار، وإنما بما تستطيع أن تولده في الإنسان من إرادة، وفي المجتمع من أخلاق، وفي التاريخ من قدرة على الفعل.
ومن هنا يمكن النظر إلى المولد النبوي الشريف بوصفه لحظة للتأمل في تجربة إنسانية وحضارية كبرى، تجربة بدأت بالوحي، وأعادت تشكيل الإنسان، ثم أعادت بناء الجماعة، وأقامت نظاماً جديداً للعلاقات والمسؤوليات، قبل أن تمتد آثارها إلى فضاءات واسعة من التاريخ الإنساني. وهذا الانتقال هو الذي يمنح الذكرى معناها المعاصر: من الميلاد إلى الرسالة، ومن الرسالة إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الحضارة، ومن الحضارة إلى سؤال النهضة.
لقد جاء النبي الكريم (ﷺ) في بيئة عرفت مظاهر متعددة من القوة والضعف: جاء النبي (ﷺ)، في مجتمع كانت القبيلة فيه إطاراً أساسياً للانتماء والحماية، وكانت مكة مركزاً تجارياً مهماً، وكان الشعر واللغة من أبرز أدوات التعبير والتأثير، إلى جانب تفاوتات اجتماعية واقتصادية وصور من الاستضعاف. ولم يكن التغيير الذي أحدثته الرسالة مجرد تغيير في الشعارات، بل كان إعادة ترتيب عميقة لمعايير الإنسان والجماعة والمسؤولية. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. وهذه الآية، وإن لم تكن حديثاً عن السيرة النبوية مباشرة، تقدم قاعدة قرآنية عميقة لفهم فكرة التغيير: التغيير التاريخي لا يبدأ من الخارج وحده، بل يحتاج إلى تحول في الإنسان والمجتمع. ومن هنا فإن الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف لا ينبغي أن يتحول إلى حنين يعفينا من مسؤولية الحاضر. فالحنين إلى الماضي قد يكون جميلاً، لكنه لا يبني المستقبل. أما استلهام الماضي، فهو أن نبحث عن القيم والطاقات التي جعلت ذلك الماضي نقطة تحول، ثم نسأل عن كيفية ترجمتها في واقع جديد.
ربما كان أعظم ما في التجربة النبوية الشريفة أنها لم تبدأ من سؤال السلطة، وإنما من سؤال الإنسان. فأول ما نزل من القرآن الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، [العلق: 1–5]. لكن ينبغي هنا تصحيح فكرة شائعة في بعض الكتابات المعاصرة: لا يصح القول إن كلمة (اقرأ)، تعني وحدها أن الإسلام حوّل طلب العلم إلى (فريضة جماعية)، بالمعنى الاصطلاحي الحديث. الأدق أن نقول إن الوحي أسس مكانة مركزية للعلم والقراءة والتعلم والقلم والمعرفة، ثم جاءت نصوص قرآنية ونبوية كثيرة تؤكد هذه المكانة.
وفي هذا المستوى تلتقي قراءة المولد النبوي مع مفهوم البطولة عند الأستاذ أحمد ميشيل عفلق. ففي مقاله المبكر (عهد البطولة ((1935)، لا يقدم البطولة باعتبارها اندفاعاً عسكرياً أو قوة جسدية، وإنما يربطها بإنسان يمتلك الصدق والشجاعة والقدرة على مواجهة الواقع دون نفاق أو استسلام. ويصف الجيل الذي يفتتح (عهد البطولة) بأنه جيل يواجه المعضلات العامة بـ(برودة العقل ولهيب الإيمان). وهذه الثنائية ــ برودة العقل ولهيب الإيمان ــ تصلح أن تكون واحدة من المفاتيح الفكرية لقراءة المولد النبوي الشريف في زمننا. ولعل هذه الفكرة تكتسب عمقاً أكبر حين نتذكر أن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق نفسه لم يحصر البطولة في مواجهة الخصم الخارجي، بل ربطها أيضاً بمحاربة اليأس والفتور وحب الراحة في داخل الإنسان، وهي قراءة تجعل البطولة أخلاقاً يومية قبل أن تكون فعلاً سياسياً. فالعقل وحده قد يعرف المرض ولا يمتلك دائماً شجاعة مواجهته، والحماسة وحدها قد تمتلك الرغبة في التغيير دون امتلاك شروطه. أما النهضة فتحتاج إلى الاثنين معاً: عقل يرى الواقع كما هو، وإيمان لا يقبل أن يتحول الواقع إلى قدر أبدي. ومن هنا فإن الاحتفاء بالنبي (ﷺ)، لا ينبغي أن ينتج إنساناً عاطفياً تجاه الماضي فقط، بل إنساناً صادقاً في حاضره، شجاعاً في مواجهة الخلل، قادراً على التضحية من أجل المبدأ، ومؤمناً بأن الإصلاح يبدأ من النفس ثم يمتد إلى المجتمع.
وقد ركزت المرحلة المكية بصورة بارزة على التوحيد، والإيمان، والصبر، والخلق، والمسؤولية، ومقاومة الظلم، وتحرير الإنسان من عبودية البشر والأوهام. ثم جاءت المرحلة المدنية لتضيف إلى بناء الفرد بناء الجماعة وتنظيم العلاقات وتحمل المسؤولية العامة. وهنا يمكن استخلاص قانون حضاري بالغ الأهمية: لا يمكن بناء مؤسسات قوية بإنسان ضعيف، كما لا يمكن بناء دولة عادلة بثقافة اجتماعية لا تؤمن بالعدل. ولهذا فإن النهضة ليست مباني وجامعات ومصانع وموازنات فقط. قد تمتلك الأمة الثروة ولا تمتلك القدرة على إدارتها. وقد تمتلك الجامعات ولا تنتج المعرفة. وقد تمتلك التكنولوجيا ولا تصنعها. وقد تمتلك الدولة مؤسسات كثيرة ولا تمتلك دولة المؤسسات. فالنهضة تبدأ حين يتحول الإنسان من مستهلك للتاريخ إلى شريك في صناعته.
غير أن استلهام الرسالة لا ينبغي أن يقودنا إلى مثالية منفصلة عن شروط الواقع. وهنا يقدم فكر الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، في مقاله (المثالية الواقعية) المنشور عام 1943، مفهوماً يمكن أن يثري هذه القراءة؛ إذ كتب: (المثالي ليس نقيض الواقعي، لأن الواقعي ليس الذي يستسلم للواقع بل الذي يفهمه)، ثم يميز بين الواقعية التي تفهم الواقع لتغيره، والواقعية التي تتحول إلى استسلام له. وهذه الفكرة تكتسب معناها الكامل حين نضعها بجوار السيرة النبوية الشريفة. فالرسالة لم تتجاهل الواقع، ولم تبن مشروعها على الأمنيات، بل واجهت واقعاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً بالغ التعقيد، وتعاملت معه بالتدرج، وبناء الإنسان، وتنظيم الجماعة، وإقامة التحالفات، وإدارة الصراع، وبناء المؤسسات والعلاقات. ولذلك فإن استلهام السيرة النبوية الشريفة اليوم لا يعني أن نحلم بمجتمع مثالي خارج التاريخ، وإنما أن نمتلك مثالاً أعلى ونبحث عن الوسائل الواقعية للوصول إليه.
بالتالي فإن النهضة الحقيقية ليست أن نقول إننا نريد مجتمعاً عادلاً، وإنما أن نسأل: كيف نبني مؤسسات العدالة؟ وليست أن نقول إننا نريد أمة قوية، وإنما أن نسأل: كيف نبني التعليم والاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة التي تجعل القوة ممكنة؟ وليست أن نتغنى بالوحدة، وإنما أن نبني المصالح والمشروعات والمؤسسات التي تجعل التعاون العربي حقيقة يومية.
لم تكتف الرسالة بإعادة تشكيل الفرد، وإنما أعادت بناء مفهوم الجماعة. كانت العصبية القبلية واحدة من أهم أطر التنظيم الاجتماعي في الجزيرة العربية، فجاء الإسلام ليضع معياراً جديداً للعلاقة بين البشر. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، [الحجرات: 13]. فالآية لا تلغي التنوع في الشعوب والقبائل، وإنما تنزع عنه وظيفة التفاخر وإنتاج التفاضل الإنساني. وهذا الدرس شديد الأهمية في وطن عربي ما زال يعاني من أشكال مختلفة من العصبية: القبلية، والطائفية، والمناطقية، والجهوية، والاستقطاب السياسي.
إذا كانت ذكرى المولد النبوي الشريف تعيد إلى الذاكرة رسولاً(ﷺ) وصفه القرآن بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، فإن السؤال الأخلاقي، الذي تفرضه علينا الذكرى هو: هل نستطيع أن نختلف دون أن نتحول إلى أعداء؟ وهل نستطيع أن نجعل المواطنة أوسع من القبيلة؟ وهل نستطيع أن نجعل الدولة أوسع من الحزب؟ وهل نستطيع أن نجعل الانتماء القومي إطاراً للتعاون لا أداة للإقصاء؟ هنا تنتقل السيرة النبوية الشريفة من كونها قصة تاريخية إلى كونها سؤالاً معاصراً.
من أهم مرتكزات رسالة نبينا الكريم (ﷺ) إعادة الاعتبار للعدل والكرامة والمسؤولية. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾، [النحل: 90]. وإذا كانت الأخلاق هي المجال الذي تتحول فيه القيم إلى سلوك، فإن الحديث النبوي: (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، يضع الأخلاق في صميم الرسالة، لا على هامشها. وقد رُوي الحديث عن أبي هريرة، وأخرجه أحمد والبيهقي، وجاء في بعض الروايات بلفظ (صالح الأخلاق). لكن النهضة الحديثة تضيف إلى السؤال الأخلاقي سؤالاً مؤسسياً: كيف يتحول العدل من قيمة معلنة إلى مؤسسة؟ فالعدل يحتاج إلى قانون. والقانون يحتاج إلى مؤسسات. والمؤسسات تحتاج إلى مساءلة. والمساءلة تحتاج إلى استقلال القضاء وكفاءة الإدارة وشفافية القرار. ولهذا فإن استلهام العدالة النبوية الشريفة اليوم لا يعني استنساخ مؤسسات القرن السابع الميلادي، وإنما تحويل مبدأ العدل إلى مؤسسات وقواعد وسياسات تناسب الدولة الحديثة.
في خطابه المعروف (في ذكرى الرسول العربي)، التي ألقاها على مدرج الجامعة السورية دمشق في 5 نيسان/أبريل 1943، قدم الأستاذ أحمد ميشيل عفلق قراءة خاصة للإسلام والنبي الكريم محمد (ﷺ) من منظور قومي عربي. ومن أشهر ما ارتبط بهذه المحاضرة قوله: (كان محمد كل العرب، فليكن كل العرب اليوم محمداً). فالمعنى الذي يمكن استخلاصه من العبارة، ليس أن العرب مطالبون باستعادة القرن الأول الهجري حرفياً، وإنما أن عليهم استعادة القدرة التاريخية التي جعلت الرسالة نقطة تحول في حياة العرب. بمعني ليس المطلوب أن يعود التاريخ إلى الوراء، وإنما أن تستعيد الأمة العربية القدرة على إنتاج التاريخ. وهذه هي المسافة بين التقديس والاستلهام. التقديس يحفظ الماضي. أما الاستلهام فيحوّل الماضي إلى طاقة للحاضر.
وهنا تكتسب فكرة الإيمان عند الأستاذ أحمد ميشيل عفلق أهمية خاصة، ويمكن أن يُفهم الإيمان في هذا السياق، لا بوصفه حالة وجدانية منفصلة عن العمل، ولا بديلاً عن العقل والمعرفة، وإنما هو القوة الداخلية التي تمنح الإنسان القدرة على التمسك بالمبدأ وتحويله إلى فعل. ففي مقاله (الإيمان (في (1943م)، المنشور ضمن كتاب في سبيل البعث، يقول (إن الأساس الخالد لعملنا، الأساس الذي لا يتبدل ولا يستغنى عنه هو الإيمان (، ثم يربط التفاؤل بالإيمان، ويرى أن العمل من دون هذه الطاقة الداخلية يفقد أساسه. وهذا المعنى يفتح للمولد النبوي الشريف باباً أعمق: فرسالة سيدنا محمد (ﷺ)، لم تبدأ بامتلاك القوة المادية، وإنما بدأت بإيمان غيّر الإنسان، ثم جعل من الإنسان المؤمن قوة قادرة على تغيير الواقع. ومن هنا لا تكون النهضة مجرد امتلاك أدوات القوة، وإنما امتلاك الإيمان بالقدرة على الفعل، وبإمكان تجاوز الواقع حين يصبح الواقع نفسه عائقاً أمام الكرامة والعدل والحرية.
لم يكن الإسلام في التاريخ العربي مجرد حادثة دينية منفصلة عن الثقافة واللغة والمجتمع. فالقرآن الكريم نزل باللغة العربية، وتشكلت حوله علوم اللغة والفقه والتفسير والفكر، وارتبطت الحضارة الإسلامية في مراحل واسعة منها باللغة العربية بوصفها لغة علم وثقافة وإدارة. والإسلام رسالة عالمية، والعروبة إطار تاريخي ولغوي وثقافي وحضاري. ففي الفكر البعثي، احتل الإسلام موقعاً مركزياً في الذاكرة التاريخية للأمة العربية وفي تكوين شخصيتها. والعروبة هنا، إذا أريد لها أن تكون مشروعاً حضارياً لا مجرد شعار سياسي، ينبغي أن تتسع لمواطني الوطن العربي على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم، وأن تجعل الثقافة والتاريخ واللغة مجالاً مشتركاً لا أداة للإقصاء. لكن السؤال المعاصر أكثر تعقيداً: كيف يمكن أن تكون العروبة إطاراً جامعاً للمواطنين العرب على اختلاف أديانهم ومذاهبهم؟ وكيف نحافظ على المكانة الحضارية للإسلام دون أن يتحول الانتماء القومي إلى أداة لإقصاء غير المسلمين؟ وكيف نحول القيم الإسلامية الكبرى — كالعدل والرحمة والعلم والكرامة — إلى قوة مشتركة للبناء بدلاً من تحويلها إلى مادة للاستقطاب؟
اليوم لم تعد المشكلة الأساسية هي الوصول إلى المعلومة. المعلومة متاحة بكميات غير مسبوقة. المشكلة هي: من يملك القدرة على التحقق؟ ومن يستطيع تحويل البيانات إلى معرفة؟ ومن يحول المعرفة إلى ابتكار؟ ومن يحول الابتكار إلى إنتاج؟ ومن يحول الإنتاج إلى استقلال؟ لهذا فإن (اقرأ)، في عصر الذكاء الاصطناعي يمكن أن تتحول إلى سلسلة حضارية: أن نقرأ لنفهم، وأن نفهم لننتج، وأن ننتج لنستقل، وأن نستقل لنمتلك قرارنا، وأن نمتلك قرارنا لنكون مسؤولين عنه. الأمة التي تعتمد اعتماداً مفرطاً على الخارج في غذائها ودوائها وتقنيتها ومعرفتها وقدرتها على حماية مصالحها، ثم تستهلكها دون أن تنتج بدائلها، ستظل في موقع التابع مهما امتلكت من الثروات. ومن هنا تصبح النهضة العلمية قضية سيادة، وليست مجرد قضية تعليم.
لقد صنعت الرسالة إنساناً، وبنت جماعة، ونظمت علاقات، وأقامت دولة، وخاضت صراعات، لكنها لم تجعل القوة قيمة مستقلة عن الغاية الأخلاقية. وهذا درس بالغ الأهمية في عصرنا. فالقوة العسكرية بلا أخلاق قد تتحول إلى استبداد. والاقتصاد بلا عدالة قد يتحول إلى احتكار. والعلم بلا مسؤولية قد يتحول إلى أداة للهيمنة. والسياسة بلا قيم قد تتحول إلى صراع على السلطة. ولهذا فإن المشروع الحضاري لا يقاس بحجم القوة فقط، وإنما بقدرة المجتمع على ضبط القوة بالعدل، والاقتصاد بالمسؤولية، والعلم بالأخلاق، والسياسة بالقانون. القوة الحقيقية ليست مجرد امتلاك الأدوات، بل القدرة على استخدامها في خدمة الإنسان والمجتمع. فإذا كانت السيرة النبوية الشريفة هي الأساس، وإذا كانت القيم هي الروح، فإن النهضة هي الاختبار. ولذلك يمكن تحويل معاني المولد النبوي الشريف إلى سبع مسارات عملية:
– الإنسان: بناء إنسان عربي متعلم، حر، مسؤول، معتز بهويته وقادر على التعامل مع العالم.
– المعرفة: تحويل التعليم من نظام لتخريج الموظفين إلى منظومة لإنتاج المعرفة والابتكار.
– الاقتصاد: الانتقال من اقتصاد الاستهلاك والريع إلى اقتصاد الإنتاج والقيمة المضافة.
– العدالة: تحويل العدالة من خطاب أخلاقي إلى قانون ومؤسسات وسياسات تكافؤ فرص.
– الدولة: بناء دولة قانون ومؤسسات، تكون السلطة فيها مسؤولية عامة لا امتيازاً شخصياً.
– الثقافة: حماية اللغة العربية والهوية الحضارية مع فتحهما على التجديد والإبداع، لا تحويلهما إلى متحف للماضي.
– التعاون العربي: نقل فكرة الوحدة العربية من المجال العاطفي إلى مجال المصالح والمؤسسات والمشروعات المشتركة: في الغذاء والماء والطاقة والبحث العلمي والتجارة والتكنولوجيا.
وهنا تصبح الوحدة العربية ليست مجرد شعار سياسي، بل ضرورة تنموية واستراتيجية.
كيف نحتفي بالنبي الكريم (ﷺ)؟، أن نحتفي بالنبي الكريم (ﷺ)، يعني أن يصبح الصدق قيمة. والعدل ممارسة. والرحمة سلوكاً. والعلم مشروعاً. والكرامة حقاً. والعمل مسؤولية. والوحدة فعلاً. والاختلاف مساحة للتعارف لا ذريعة للكراهية. عندها تصبح الذكرى قادرة على مغادرة التقويم والدخول إلى الحياة. وإذا كان المولد النبوي انتقالاً من الذاكرة إلى المشروع، فإن السؤال التالي هو: متى يبدأ المستقبل؟
هنا يقدم الأستاذ أحمد ميشيل عفلق تصوراً لافتاً للمستقبل، فهو لا يراه مجرد زمناً ينتظرنا في الغد، بل يربطه بالمستوى النفسي والفكري الذي ينبغي للإنسان أن يبلغه في حاضره. وفي نصه (المستقبل (، في (1950م)، يقول)ليس المستقبل هو الزمان الذي سيأتي، بل المستوى النفسي والفكري الذي علينا أن نصل إليه في الوقت الحاضر). وهذه الفكرة تلتقي بصورة عميقة مع سؤال المولد النبوي: فإذا كان ميلاد الرسول الكريم (ﷺ) قد فتح تحولاً تاريخياً هائلاً، فإن قيمة الذكرى لا تكمن في انتظار المستقبل، وإنما في أن يبدأ التحول في الإنسان الآن. فالمستقبل لا يبدأ عندما تتغير الخرائط، ولا عندما تتغير الحكومات، ولا عندما تتضاعف الثروات، بل يبدأ عندما يتغير الإنسان الذي يصنع الخرائط ويدير الدولة ويستخدم الثروة.
ولذلك فإن المولد يمكن أن يكون موعداً سنوياً لمراجعة الذات: أين نحن من العلم؟ أين نحن من الصدق؟ أين نحن من العدل؟ أين نحن من المسؤولية؟ وأين نحن من القدرة على تحويل القيم التي نعلن الإيمان بها إلى مؤسسات وممارسات وحياة يومية؟
الخاتمة: ربما لا يكون السؤال الأهم في ذكرى المولد النبوي الشريف: ماذا حدث يوم وُلد سيدنا محمد (ﷺ)؟ بل: ماذا يحدث فينا نحن كلما تذكرناه؟ فإذا خرجنا من الذكرى كما دخلنا إليها، فقد بقي المولد النبوي في التقويم ولم يدخل التاريخ. أما إذا جعلتنا الذكرى أكثر صدقاً، وأكثر علماً، وأكثر عدلاً، وأكثر قدرة على العمل، فقد انتقلت الرسالة من الذاكرة إلى الحياة. لقد غيّرت رسالة سيدنا محمد (ﷺ)، وجه التاريخ لأنها لم تكتف بإضافة فكرة إلى أفكار العالم، وإنما أعادت تشكيل الإنسان والجماعة والمعنى والمسؤولية. ومن هنا فإن الأمة العربية لا تحتاج اليوم إلى أن تعيش في القرن الأول الهجري، ولا تستطيع أن تفعل ذلك أصلاً. إنما تحتاج إلى أن تستعيد القدرة الحضارية التي جعلت ذلك القرن نقطة تحول تاريخية. وفي هذا السياق يمكن فهم عبارة الأستاذ أحمد ميشيل عفلق: (كان محمد كل العرب، فليكن كل العرب اليوم محمداً). لا باعتبارها دعوة إلى تقليد التاريخ، وإنما باعتبارها دعوة إلى استعادة الطاقة التي صنعت التاريخ، وتحويل القيم إلى فعل، والذاكرة إلى مسؤولية، والإيمان بالرسالة إلى قدرة على البناء. فالمولد الحقيقي ليس أن يعود الماضي إلينا. بل أن نولد نحن من جديد. أن تولد فينا إرادة العلم. وأن تولد فينا أخلاق المسؤولية. وأن تولد فينا شجاعة الوحدة. وأن تولد فينا كرامة الإنسان. وأن تولد فينا القدرة على تحويل الرسالة من ذكرى محفوظة إلى مشروع حضاري مفتوح على المستقبل.
وعندها فقط يصبح المولد النبوي الشريف أكثر من ذكرى لميلاد رجل عظيم (ﷺ)، يصبح موعداً لميلاد إرادة جديدة في أمة ما زالت تبحث عن طريقها إلى المستقبل. فالمولد ليس أن نستعيد الماضي، بل أن نثبت أن الرسالة ما زالت قادرة على صناعة المستقبل.

Leave a Reply