د. منال مختار
الحديث عن الحوار السوداني – سوداني المزمع عقده في السودان لحل أزمة الحرب العبثية، لابد أن يكون حديث موضوعي وعقلاني ومنطقي لتوضيح جوانب هذا الحوار، والحديث بهذا الوصف لابد أيضاً أن يتضمن جوانب تعريفية تكون بمثابة معايير قياسية للنتائج .
وتعريف هذا الحوار يضم عدد من التعريفات التي لابد من توضيحها واصطحابها للوقوف على جوانب أساسية تمنح هذا الحوار شرعيته ورخصته، وتنقسم تعريفات هذا الحوار إلى نوعين؛ أحدهما فكري موضوعي والثاني وصفي وظيفي. ويندرج تحت التعريف الفكري الموضوعي تعريف الشرعية والمشروعية، ويندرج تحت التعريف الوصفي الوظيفي تعريف (الخماسية) راعية الحوا، ولتكن بداية التعريفات هو تعريف الحوار نفسه. والظاهر من سياق الدعوة أن الحوار هو حوار سياسي، وجاء في تعريف الحوار السياسي حسب المفاهيم الفكرية، بأنه عملية ( تفاوض وتشاور سلمية) تتم بين أطراف أو قوى ( سياسية) لمناقشة قضايا وتبادل آراء بغرض الوصول إلى توافقات وصياغة حلول دون اللجوء إلى العنف. وتكون ركائز هذا النوع من الحوار هي الاستمرارية الدينامكية لصنع السياسات، والندية والاحترام القائمة على مبدأ الإقناع، وتقبل الرأي الآخر، ومنطق الشراكة، أما أهداف الحوار فهي تحقيق التوافق وتقريب وجهات النظر ودعم الإستقرار بتجنب الصراعات والأزمات عبر قنوات التواصل السياسي. ومن شروط نجاح الحوار البيئة الآمنة وغياب القيود والاملاءات المسبقة وقواعد التنظيم الواضحة والوساطة النزيهة.
وإذا أسقطنا التعريف المفاهيمي للحوار المزمع إقامته من قبل الحكومة الانقلابية نجد أولاً هي المتسبب الرئيس في الأزمة محل الحوار، فالانقلاب الذي حدث في 25 أكتوبر 2021 كان ضد إرادة الشعب السوداني وهي واقعة تتعارض مع عملية التفاوض والتشاور السلمي، أما مناقشة القضايا وتبادل الآراء بغرض الوصول إلى توافقات هي تتعارض مع الدعوة للحوار، وذلك بسبب لجؤ حكومة الانقلاب إلى العنـ.ـف المـ.ـسلح وإشعالها للحـ.ـرب التي عبثت بالوطن وشعبه ضد الإتفاق الإطاري، رغم علاته. والنتيجة القياسية لهذا الوصف إن حكومة الانقلاب ليست الجهة المؤهلة لتبني حوار سياسي يناقش الأزمة السياسية كونها المتسببة فيها.
أما التعريف الفكري الموضوعي لمبدأ (شرعية) هذا الحوار؛ فهي تتعارض وتتنافى مع المنظور المفاهيمي للشرعية كونها منظور قانوني يعني مطابقة أفعال الحاكم للنصوص الدستورية والقانونية القائمة، ونجد في هذا الصدد أن انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي قام به قائد الجيش ومساعده، حال دون مطابقة أفعالهم للنصوص الدستورية والقانونية القائمة، فالانقلاب وتعديل الوثيقة الدستورية هو خرق قانوني وتجاوز دستوري. وهذا ينفي صفة الشرعية عن الحكومة الانقلابية في الدعوة لقيام هذا الحوار كونها قد وضعت نفسها محل اتهام لمخالفتها للنصوص الدستورية والقانونية.
أما تعريف المشروعية حسب المفهوم الفكري الموضوعي؛ فهي منظور سياسي اجتماعي يعني قبول الشعب والرضا بوجود السلطة. وفي هذا الصدد نجد أن حكومة الانقلاب لم تحظى بهذا القبول والرضا كونها اغتـ.ـصبت السلطة بأسلوب قسري، فهي لم تأتِ عن طريق انتخابات حرة نزيهة، ولم تأتِ بإرادة شعبية. وبهذا الوصف ينتفي عن الحكومة الانقلابية مشروعية تبني هذا الحوار وإقامته كونها ليست منظور سياسي ولا اجتماعي.
أما التعريف الوصفي الوظيفي في هذا الحوار فهو من نصيب ( الخماسية) راعية الحوار، والتي تتكون من خمسة كيانات تنظيمية هي؛ الاتحاد الإفريقي، الاتحاد الأوروبي، منظمة الأمم المتحدة، منظمة الايغاد، وجامعة الدول العربية. وهذه الكيانات التنظيمية قائمة على أنظمة تأسيسية وتنظيمية تضم في محتواها لوائح متعددة ومتنوعة، منها القانونية والإدارية والتشغيلية، فمثلاً من الثوابت القانونية في الاتحاد الإفريقي رفضه لأي حكومة تغـ.ـتصب السلطة بواسطة الانقلابات العسكرية وتقوم في مواجهة ذلك بتعليق عضوية هذا البلد.
وتعليق عضوية الدولة في المنظمات الدولية أو الإقليمية هو إجراء قانوني وسياسي مؤقت يتم بموجبه حرمان الدولة المخالفة من حقوقها ومزاياها داخل المنظمة مع بقاءها إسماً ضمن قائمة الأعضاء لحين زوال أسباب التعليق التي هي خرق مبادئ الميثاق الأساسي للمنظمة وارتكاب انتـ.ـهاكات جسيمة قانونية وحقوقية والقيام بأعمال عدوانية وتهديد السلم والأمن والتخلف عن سداد الاشتراكات المالية المقررة. وبمقارنة أسباب التعليق بما حدث في دولة السودان نتيجة لانقلاب 25 أكتوبر 2021، نجد توفر كافة أسباب التعليق ماعدا ربما سداد الاشتراكات المالية المقررة.
وبما أن الاتحاد الإفريقي هو الجهة المسؤولة عن تعليق عضوية دولة السودان بسبب خرق مبادئ الميثاق الأساسي، فألاحرى به أن يقف من هذا الحوار موقف المراقب المسؤول عن حقوق الشعب السوداني وعن أمنه وسلامته وتدع غيرها من المنظمات التي لم تعلق عضوية السودان رعاية هذا الحوار.
أما ما تبقى من الكيانات الخمسة فإنه ينبغي عليها رفع المصلحة العامة للشعب السوداني فوق كل المصالح، وتصحيح الخطأ بتراجع حكومة الانقلاب عنه والاعتذار للشعب السوداني وإعادة الوضع لما كان عليه قبل الانقلاب، وما يجب أن يكون أساسياً في اتخاذ القرار بشأن المشاركة في الحوار هو مبدأ الشرعية والمشروعية لحكومة الانقلاب.

Leave a Reply