قراءة معاصرة في كتاب “في سبيل البعث”: المستقبل يبدأ الآن.. كيف حرر ميشيل عفلق الزمن من الانتظار؟

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

حمل المستقبل يبدأ الآن
ليس بيننا وبين المستقبل الذي يتحدث عنه البعث العربي، فاصل زمني حسابي يقدّر بالأشهر والسنين، إنه زمن نفسي نستطيع أن نحققه منذ الآن. بهذه العبارة يضع الأستاذ ميشيل عفلق يده على واحد من أكثر الأوهام رسوخاً في الفكر الإنساني، وهو أن المستقبل زمن يأتي إلينا، بينما الحقيقة أن المستقبل يبدأ في اللحظة التي يتغير فيها الإنسان.
وإذا كنا نقرأ هذا النص اليوم، بعد أكثر من سبعين عاماً على كتابته في عام 1950، فإننا لا ننسى أن الأستاذ ميشيل عفلق كان يكتب في خضم مرحلة تأسيسية للحركة القومية العربية، في ظل هيمنة استعمارية واضحة، ووسط أوساط سياسية وثقافية عربية كانت تعاني من التشرذم والتبعية. وكان النص يخاطب جمهوراً مناضلاً، يحتاج إلى جرعة من الإيمان بالمستقبل، وإلى تحرير وعيه من فخ الانتظار، وإلى استعادة إرادته في مواجهة واقع التخلف والاستعمار. ففي زمن كان فيه المستقبل يبدو بعيداً، كان الأستاذ ميشيل عفلق يذكر مناضليه بأن المستقبل ليس زمناً يأتي، بل قرار يتخذ، ووعي يتحقق، وصورة تُجسّد في الحاضر.
فنحن، في العادة، نتحدث عن المستقبل كما لو كان محطة بعيدة في نهاية الطريق، ونبني حياتنا على انتظار دائم: ننتظر الظروف، وننتظر السلطة، وننتظر الاقتصاد، وننتظر أن تتغير المجتمعات، وكأن الزمن وحده يملك القدرة على صناعة التحول. لكن الأستاذ ميشيل عفلق يقلب هذه المعادلة كلها. فالمستقبل، عنده، ليس تاريخاً على التقويم، وإنما درجة من الوعي. ولذلك يكتب بوضوح: (ليس المستقبل هو الزمان الذي سيأتي، بل المستوى النفسي والفكري الذي علينا أن نصل إليه في الوقت الحاضر). وهذه ليست جملة أدبية، بل تعريف فلسفي جديد للزمن.
تكاد معظم الفلسفات السياسية تتحدث عن المستقبل باعتباره مشروعاً مؤجلاً. أما هنا فإن الأستاذ ميشيل عفلق يرفض فكرة التأجيل نفسها. فليس المطلوب أن ننتظر حتى تتغير الأمة، وإنما أن نبدأ نحن في تمثل الصورة التي نريدها لها. ولهذا يقول: (لسنا بحاجة إلى سنين ولا إلى أشهر، فقد يصل المرء إلى هذا المستقبل في ثانية واحدة عندما يدرك الفرد ذاته المثالية ويعي ويصمم). إن كلمة (ويصمم) هنا ليست تفصيلاً لغوياً، بل هي جوهر النص كله. فالوعي وحده لا يكفي، والحلم وحده لا يكفي؛ فاللحظة التي يتحول فيها الإيمان إلى قرار هي اللحظة التي يولد فيها المستقبل، ولأن المستقبل ليس انتظاراً بل قرار.
غير أن قراءة النص تظل ناقصة إذا اقتصرت على البعد الفلسفي الفردي، دون الإشارة إلى أبعاده التنظيمية والنضالية. فالأستاذ ميشيل عفلق لم يكن يكتب تأملاً فردياً، بل كان يخاطب حركة نضالية، ويؤسس لفكر جماعي. والمستقبل الذي يتحدث عنه ليس مجرد حالة ذهنية يصل إليها الفرد وحده، بل هو مشروع جماعي يتطلب تنظيماً ونضالاً طويلاً.
فهو يقول: (المستقبل الذي يمثله البعث هو الصورة عن حياة أمتنا عندما يتحقق البعث… فعلى هذه الصورة أن تتحقق منذ الآن في البعث العربي حتى ينجح). فالمستقبل، في هذا السياق، ليس مجرد فكرة، بل هو مشروع تنظيمي يتجسد في الحزب نفسه، من خلال مبادئه وتنظيمه ونضاله. فالحزب، في رؤية الأستاذ ميشيل عفلق، هو المستقبل الذي يبدأ الآن، وهو النموذج المصغر للأمة التي يسعى إلى تحقيقها.
وهذا البعد التنظيمي هو ما يفسر إصرار الأستاذ ميشيل عفلق على ربط المستقبل بقوة التنظيم إلى جانب قوة المبادئ؛ فالمبادئ وحدها لا تكفي، والتنظيم وحده لا يكفي، بل التكامل بينهما هو ما يجعل المستقبل حقيقة راهنة.
ومن أبدع ما في النص أنه يميز بين نوعين من الزمن: هناك الزمن الذي تقيسه الساعة، وهناك الزمن الذي يقاس بقدرة الإنسان على التغيير. قد يعيش إنسان خمسين عاماً دون أن يتحرك خطوة واحدة نحو المستقبل، وقد يغير إنسان حياته كلها في لحظة وعي واحدة. ولهذا يصبح الزمن النفسي أعظم من الزمن التاريخي. ففي فلسفة الأستاذ ميشيل عفلق، المستقبل ليس ما سيأتي غداً، وإنما ما نختاره اليوم. وهنا يقترب فكره من الفلسفات الوجودية التي جعلت الإنسان مسؤولاً عن صناعة مستقبله، لكنه يختلف عنها لأنه لا يجعل هذه المسؤولية فردية فقط، وإنما قومية أيضاً.
ثم ينتقل النص إلى فكرة أكثر عمقاً، فالمستقبل ليس صورة خيالية، إنه صورة الأمة كما ينبغي أن تكون. ولهذا يقول: (المستقبل الذي يمثله البعث هو الصورة عن حياة أمتنا عندما يتحقق البعث). لاحظ أنه لا يقول: (سيكون)، بل يقول: (هو الصورة)، أي أن الصورة موجودة بالفعل، والمطلوب ليس اختراعها، وإنما تجسيدها. وهنا تتحول السياسة من إدارة للحاضر إلى صناعة للمستقبل؛ فالأمة لا تنتظر مستقبلها بل تجسده.
ومن أجمل ما في النص أيضاً إعادة تعريف القوة؛ فيقول: (إن لدينا أسلحة كثيرة… ولكن ثمة قوة تفوق كل القوى الأخرى هي أن نجسم للأمة مستقبلها). كم تبدو هذه العبارة معاصرة! فالناس عادة يقيسون قوة الأمم بما تملكه من جيوش، أو اقتصاد، أو موارد، بينما القوة الحقيقية ليست السلاح. أما الأستاذ ميشيل عفلق فيضيف عنصراً آخر؛ إن الأمة التي لا تستطيع أن ترى صورتها المقبلة، ولا تقنع أبناءها بها، تبقى عاجزة مهما امتلكت من أدوات القوة. فالرؤية ليست ترفاً فكرياً، بل هي أعظم مصادر القوة.
وهذا المفهوم للمستقبل لا يختلف عن مفهوم (المثالية الواقعية) الذي طرحه في مقال عام 1943، حيث قال: (المثالي ليس نقيض الواقعي، لأن الواقعي ليس الذي يستسلم للواقع بل الذي يفهمه… وفي عرفنا يجب أن يكون المثالي واقعياً كي يقدر على تحقيق مثله في العمل). فالمستقبل، في كلا النصين، ليس حلماً بعيداً، بل هو حقيقة تبدأ في الحاضر، بفهم الواقع والعمل على تغييره.
كما يرتبط هذا النص بمقال (الأرض والسماء) (1944)، حيث ربط الأستاذ ميشيل عفلق بين الحياة اليومية (الأرض) والقيم العليا (السماء)، وأكد أن النهضة تتحقق بتحقيق التوازن بينهما. والمستقبل، في هذا السياق، هو تجسيد للسماء في الأرض، وتحويل المثال إلى واقع، والارتقاء بالحياة اليومية إلى مستوى الرسالة. وهذا الترابط بين نصوص الأستاذ ميشيل عفلق يؤكد أن فكره ليس مجموعة مقالات منعزلة، بل هو منظومة فكرية متكاملة، يغني كل جزء منها الآخر، ويفتح آفاقاً جديدة لفهم مشروعه النهضوي الشامل.
ثم يقدم الأستاذ ميشيل عفلق تعريفاً عملياً للمستقبل، ليس باعتباره حلماً مجرداً، وإنما باعتباره مجتمعاً جديداً؛ فيقول: (هذه الحياة التي تزول فيها الفروق الاجتماعية والحواجز الإقليمية والنعرات الطائفية، وكل أثر للعبودية والمصلحة الخاصة والجهل والتقليد). فالمستقبل يبدأ حين تزول الحواجز، إنه لا يطلب من الناس أن يؤمنوا بمستقبل غامض، بل يطلب منهم أن يعيشوا هذه القيم منذ الآن. فالطائفية لا تنتظر المستقبل لكي تنتهي، بل تبدأ نهايتها عندما يرفضها الإنسان اليوم. والجهل لا يهزم غداً، بل يهزم عندما يبدأ الإنسان بالتعلم اليوم.
ربما كان أخطر ما يواجه المجتمع العربي اليوم هو أنه حول المستقبل إلى شعار؛ نتحدث عن رؤية 2030، أو 2040، أو 2050. لكن الأستاذ ميشيل عفلق يذكرنا بأن المستقبل لا يبدأ بالأرقام، بل يبدأ عندما يتغير الإنسان. فالمستقبل ليس وثيقة حكومية، ولا خطة اقتصادية، ولا برنامجاً سياسياً، إنه ثقافة جديدة، ووعي جديد، وأخلاق جديدة.
إن قراءة نص (المستقبل) اليوم، بعد سبعة عقود ونيف من كتابته، تطرح علينا سؤالاً مصيرياً: كيف يمكن لهذا المفهوم أن يوجّه العمل البعثي في الحاضر والمستقبل؟ فالمستقبل، في رؤية الأستاذ ميشيل عفلق، ليس شعاراً يُرفع، ولا حلماً يُسوّق، بل هو منهج حياة، وقرار يتخذ، وصورة تُجسّد في الواقع. وهذا يعني، عملياً، أن مهمة البعث اليوم ليست فقط في الدفاع عن مبادئه، بل في تجسيد مستقبله في تنظيمه، وفي خطابه، وفي ممارساته اليومية. فالحزب الذي يتحدث عن مستقبل الأمة مطالب بأن يكون، هو نفسه، نموذجاً مصغراً لهذا المستقبل، في علاقاته الداخلية، وفي شفافيته، وفي ديمقراطيته، وفي قدرته على التجديد.
خاتمة: ليس المستقبل عند الأستاذ ميشيل عفلق زمناً مؤجلاً، ولا وعداً سياسياً، ولا حلماً رومانسياً، إنه موقف وجودي. فالإنسان الذي يعيش قيم المستقبل في الحاضر، يكون قد دخل المستقبل قبل أن يصل إليه التاريخ. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الأمم ليس أن تفشل في بناء المستقبل، وإنما أن تؤجل دائماً بدايته. لقد أراد الأستاذ ميشيل عفلق أن يحرر الإنسان من عبودية الزمن، وأن يقول له إن المستقبل ليس شيئاً ينتظره في نهاية الطريق، بل حقيقة تبدأ منذ اللحظة التي يؤمن فيها برسالته، ويعيها، ويصمم على أن يعيشها.
وربما لهذا يبقى هذا النص واحداً من أكثر نصوص “في سبيل البعث” عمقاً؛ لأنه لا يعلّمنا كيف نتنبأ بالغد، بل كيف نصنعه، وكيف يصبح المستقبل، قبل أن يكون زمناً، طريقةً في التفكير، وأسلوباً في الحياة، ورسالةً يحملها الإنسان منذ الآن.
#المستقبل #ميشيل_عفلق #الفكر_القومي #حزب_البعث #النهضة_العربية #فلسفة_الزمن #الوعي #العروبة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.