ابو يعرب
في الثامن من آب (اغسطس عام 1988) انتصر الحق والكرامة على الباطل وشـ.ـياطينه، حين أُعلن رسمياً عن وقف إطلاق النـ.ـار بين العراق وإيران، بعد أن تجرع خميني كأس السـ.ـم لتنتهي حـ.ـرب طاحنة أستمرت ثماني سنوات وتسجّل إحدى اهم المحطات التاريخية والاستراتيجية في تاريخ الوطن العربي والشرق الأوسط الحديث.
لم يكن يوم 8/8 مجرد تاريخ لتوقف صليل السـ.ـلاح؛ بل كان محطة فارقة، اختبرت قدرة الدولة العراقية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي العظيم، على الصمود والتخطيط، وخلقت دروساً عميقة نستلهم منها العبر في التصدي للتحديات وإدارة الأزمات وحماية الأوطان.
تلك الدروس التي لابد من دراستها والاستفادة منها لمواجهة الحاضر وتحديات المستقبل التي يتعرض لها العراق والأمة العربية، حيث تتكالب عليها الأطماع وتمر بمتغيرات عالمية متنوعة وشديدة التسارع. فليست العبرة بالتغني بالماضي وأمجاده بل في استخلاص الآليات والوسائل التي صنعت النصر، وتطبيق ما يصلح منها للحاضر ومواكبة متغيراته المتجددة لضمان البقاء وتحقيق النصر على أعداء الأمة، ومن بين أهم تلك الدروس هي:
1-ضمان وجود الإرادة الوطنية والصمود الشعبي
إن أول الدروس وأعظمها هو تلاحم الشعب مع قضاياه المصيرية، فقد كان الجدار الصلب الذي تكـ.ـسرت عليه التحديات رغم جسامتها، فلقد أثبت الشعب العراقي الأبي خلال تلك السنوات طاقة استثنائية على الصمود ومواجهة الظروف الاقتصادية والعسكرية والتضحيات البالغة القسوة، مما يؤكد على أن العنصر البشري والإرادة الوطنية هما الدعامة الأساسية لأي قوة عسكرية أو سياسية.
2-التخطيط الاستراتيجي وادارة الأزمات
أظهرت معـ.ـارك المرحلة الختامية للحـ.ـرب، ولاسيما معـ.ـارك الفاو ومـ.ـعارك التحرير الكبرى وتوفير الإمكانات قدرة عالية على مستوى التخطيط العسكري وإدارة الموارد، ويدل هذا النجاح الاستراتيجي على أهمية توفر العناصر التالية:
•التجهيز والتطوير، وبناء منظومات دفاعية وتسـ.ـليحية تتناسب مع حجم التهديدات.
•المرونة الميدانية: سرعة التكيف مع المتغيرات القتـ.ـالية التكتيكية وتحقيق مبدأ المناورة.
•الاستقلالية في القرار: القدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة في أحلك الظروف.
3- السلام من موقع القوة
من أبرز الدروس الاستراتيجية ليوم النصر العظيم؛ هي أن السلام العادل المستدام لا يُوهب، بل يُفرض من موقع القوة والجاهزية والتمكين. إن تجرع الخصم لكأس السـ.ـم لقبول قرار وقف إطلاق النـ.ـار (قرار مجلس الأمن 598)، جاء نتيجة تحول ميزان القوى القـ.ـتالي ميدانياً، مما أثبت أن التفوق في الردع الحقيقي هو الضامن الوحيد لمنع الاستنزاف وحماية سيادة الاوطان.
4-حماية الأمن القومي والإقليمي
شكل النصر العراقي في 8 آب 1988، حاجزاً استراتيجياً فعالاً لحماية الأمن القومي العربي، مؤكداً على أهمية حماية الحدود والتصدي للمشاريع التوسعية الطامعة في العراق والأمة العربية، والمحافظة على الأمن القومي الذي كان حاضراً وكان حافزاً لتأكيد دور العراق كرقم صعب في المعادلات الإقليمية والدولية. عليه يبقى يوم 8 آب 1988، دالة تاريخية تجسد قيمة التضحية في سبيل الوطن والأمة، وتذكر الأجيال بأن الحفاظ على السيادة والأمن القومي العربي يتطلب دائماً استراتيجية وقيادة شجاعة، ووحدة صف عربي لا تتزعزع، وإعداداً عربياً مستمر لمواجهة أي تحديات مستقبلية.
5-الحشد الجماهيري
رفع الروح المعنوية من خلال شتى الوسائل ومنها على سبيل المثال الخطابات التعبوية المستمرة وإثارة نخوة الشارع العراقي لدعم المجهود الحـ.ـربي وغيرها هو أمر أساسي للنجاح في تحقيق حشد قدرات الشعب والأمة.
6- التعبئة الشاملة
استنفار كافة طاقات الدولة الاقتصادية وإلاعلامية والبشرية لخدمة المـ.ـعركة وتحقيق الصمود.
7- الفعالية السياسية والدبلوماسية وإدارة المحاور الدولية
لقد تم خلق قدر من التناغم الاستراتيجي مع القوى الدولية والتحرك النشط على تلك الفاعلة منها، وذلك للحد من العزلة وضمان استمرار تدفق الدعم الفني والاقتصادي. وقد تم فرض قرار السلام، والثبات على المطالب الوطنية حتى إجبار الطرف الآخر على قبول (قرار 598) مرغماً.
ومن هنا؛ فإن وجود فعالية سياسية وعلاقات قوية والتحرك النشط والمستمر على القوى المؤثرة ذات العلاقة بقضايانا الوطنية والقومية الرسمية منها والشعبية؛ هو أمر حيوي وفي غاية الأهمية لانتصارنا على أعدائنا ومواجهة التحديات بكفاءة عالية.
8- التطوير والبناء المستمر للقدرات
لقد كان الاستمرار في التطوير العسكري والتسـ.ـليح وبناء القوات المستمر من أهم سمات تلك المرحلة، فقد تم بناء الحرس الجمهوري، وإعادة هيكلته وتجهيزه بأحدث الأسلـ.ـحة والتقنيات القـ.ـتالية ليصبح قوة الصدمة الحسمية في المعـ.ـارك الختامية.
ومن هنا؛ فإن تطوير القدرات النضالية والسياسية والتنفيذية المعنية بتنفيذ الخطط والاستراتيجيات المعتمدة، هو أمر في غاية الأهمية لضمان نجاح الأمة وقواها الوطنية والقومية في مواجهة أعدائها وتحقيق أهدافها .
9-إنتاج المستلزمات المحلية للقدرات
لقد شكل دعم وتطوير هيئة التصنيع العسكري للوصول إلى مكتسبات تسليحية محلياً (كالتعديلات على الصـ.ـواريخ والمدفعية وغيرها) سمة بارزة في تلك المواجهة مما قلل من الاعتماد على الخصوصية الخارجية في أوقات الحظر.
ومن هنا؛ فإن تقليل الاعتماد على الخارج قدر الإمكان في توفير القدرات المطلوبة ومستلزماتها هو أمر في غاية الأهمية لنجاح تطبيق أي من الاستراتيجيات المعتمدة في النضال الوطني والقومي.
10-دور القيادة الميدانية المباشرة
لقد ارتبط تحقيق هذا الانتصار الاستراتيجي في الثامن من آب 1988، ارتباطاً وثيقاً بالقيادة الميدانية والمعايشة المستمرة وعلى كافة تراتبية السلسلة الهرمية للقيادة سواء للجيش أو الدولة، بدءاً بالقيادة الفاعلة للرئيس القائد صدام حسين، حين تجسد دوره الميداني في العديد من المحاور الأساسية المطلوبة للانتصار في المواجهة.
ومن ذلك نستخلص أن النجاح في قيادة أي تحرك نضالي تحرري راهن أو مستقبلي يقتضي:
• حرص القائد على التواجد الميداني المستمر في ساحة التنفيذ والإشراف المباشر على وضع الخطط التنفيذية بشتى أشكالها.
•الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة لاحتياجات التشكيلات المنفِّذة والتواصل المباشر مع القاده القائمين عليها.
•متابعة توفير متطلبات التنفيذ والمواجهة أولاً بأول وتهيئة المستلزمات لكل ذلك.
إن النصر الذي تحقق في الثامن من آب عام 1988، بعد واحدة من أشرس المواجهات التي خاضها العرب في تاريخهم الطويل مع الفرس، لم يأتِ اعتباطاً؛ بل جاء نتيجة لاعتماد وتوفير عدة عوامل ساهمت في تحقيقه. وإن ما تم استخلاصه أعلاه هو بعض من مقومات النصر التي تشكِّل حافزاً وملهماً لمناضلي البعث العظيم وكل القوى الخيرة في أمتنا العربية على كافة الصعد الشعبية منها والرسمية لاعتمادها من أجل ضمان انتصارها في ما تخوضه من تحديات ومواجهات.
عاش البعث وعاش العراق وعاشت الأمة العربية المجيدة وعاش الجيش العراقي الباسل صاحب الملاحم البطولية في سفره الخالد دفاعاً عن الوطن والأمة العربية.

Leave a Reply