ليست تعريبًا… إنها عودة إلى العروبة

صحيفة الهدف

بقلم: الدكتور أحمد شوتري

ليس أخطر على الأمم من أن تفقد القدرة على تعريف نفسها، ثم تستعير من خصومها الرواية التي تفسر بها تاريخها. ومن هنا تبدأ إحدى أخطر المغالطات في خطابنا المعاصر: تصوير العروبة في المغرب العربي وكأنها نتيجة «تعريب» مفروض على شعوب لا علاقة لها بها، وكأن العربية وافد طارئ على أرض صنعت تاريخها بمعزل عن الامتداد العربي… وهل يُعرَّب العربي؟

هذه ليست قراءة بريئة للتاريخ، بل اختزال لمسار حضاري طويل في مصطلح سياسي واحد. فالعروبة لا تبدأ بقرار إداري، ولا تختصر في حملة عسكرية، ولا تقوم على أسطورة «النقاء العرقي». إنها انتماء تاريخي وحضاري تشكل عبر الزمن. ولا نحتاج إلى تزوير الماضي للدفاع عنها، فالفينيقيون ينتمون إلى المجال السامي القديم، وكذلك البربر، فكلهم أصحاب تاريخ في شمال إفريقيا، ثم جاء الفتح العربي الإسلامي كامتداد تاريخي وجغرافي طبيعي في القرن السابع ليبدأ مرحلة جديدة ربطت منطقتنا بالمشرق العربي والإسلامي، وتعمق حضور العروبة والعربية عبر الدين والثقافة والعلم والتجارة والهجرة والدولة، حتى أصبحت عنصرًا أساسيًا في الشخصية التاريخية للمنطقة.

ومن الخطأ التاريخي القول إن الفتح العربي الإسلامي جاء لطرد «الصليبيين»، فالح.روب الصليبية جاءت بعد ذلك بقرون. والأدق أن الفتح أنهى الهيمنة البيزنطية على أجزاء واسعة من شمال إفريقيا، وفتح مسارًا تاريخيًا جديدًا أصبحت فيه المنطقة جزءًا من المجال الحضاري العربي الإسلامي.

ثم جاء الاستعمار الأوروبي، وفي الجزائر خصوصًا، ليواجه مجتمعًا له ذاكرة عربية إسلامية عميقة إلى جانب مكوناته البربرية الأصيلة. ولذلك لم تكن معركته مع الأرض وحدها، بل مع اللغة والذاكرة والوعي. فالاستعمار قد يخرج من الحدود، لكن أخطر آثاره أن يبقى داخل العقل، فيجعل الإنسان يشك في لغته، ويتنكر لتاريخه، ثم يسمي ذلك تحررًا.

ومن هنا فإن «العودة إلى العروبة» ليست عودة إلى الماضي، وليست إلغاءً للبربرية، وليست بحثًا عن «دم عربي نقي». إنها استعادة للثقة بالذات، واستعادة للحق في قراءة التاريخ بأعيننا، لا بالمنظار الذي تركه المستعمر.

أما الذين يحولون الاعتزاز بالأمازيغية إلى مشروع لنفي العروبة، أو يحولون نقد سياسات التعريب إلى إنكار لتاريخ العربية، فإنهم يرتكبون خطأً أكبر من مجرد الاختلاف السياسي: إنهم يحولون التنوع الطبيعي إلى جبهة صراع، ويجعلون من أبناء الوطن الواحد خصومًا في معركة هوية لا تنتهي.

ونحن نقولها بلا تردد: ليس من الوطنية أن تح.ارب جزءًا من تاريخك كي تنتصر لجزء آخر منه.

إن من حق كل جزائري أن يعتز بأصوله وروافده الثقافية، ولكن ليس من حق أحد أن يحوّل هذا الاعتزاز إلى مشروع لنزع الجزائر من محيطها العربي أو تحويل العربية إلى متهم في وطنها. وفي الاتجاه الآخر، لا يجوز أن تتحول العروبة إلى ذريعة لإلغاء البربرية أو التقليل من شأنها. فالأمة الواثقة من نفسها لا تخاف من تنوعها، وإنما توظفه في بناء قوتها.

أما أولئك الذين يريدون لنا أن نختار بين «العروبة» و«الأمازيغية» وكأنهما عدوان تاريخيان، فنقول لهم: أنتم لا تدافعون عن التاريخ؛ أنتم تصنعون صراعًا جديدًا داخل التاريخ.

نحن لا نخشى التعدد، ولا نعادي اللغات، بل نريد أن نتعلم لغات العالم كلها، وأن نكون جزءًا من الحضارة الإنسانية، ولكن من موقع الإنسان الواثق بذاته، لا من موقع التابع الذي يعتقد أن التقدم يبدأ عندما يتخلى عن لغته.

والعروبة التي نريدها ليست عروبة الشعارات وحدها، بل عروبة العلم والصناعة والسيادة والعدالة والمستقبل. عروبة تجعل اللغة العربية لغة المعرفة والإنتاج، لا لغة الديباجات والمناسبات.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين عربي وبربري، ولا بين لغة ولغة، ولا بين الماضي والمستقبل. المعركة هي حول حق الإنسان في تعريف نفسه.

فإذا تركنا الآخرين يكتبون لنا تاريخنا، فلن يتوقفوا عند الماضي، سيكتبون لنا مستقبلنا أيضًا.

ولهذا نقولها بوضوح:

إن العربي لا يُعرَّب؛ فنحن لا نريد تعريبًا للآخر، وإنما نريد تحريرًا للذات.

ولا نريد محو أحد من تاريخنا، وإنما نرفض أن نمحو أنفسنا من تاريخنا.

فالعروبة ليست تهمة تحتاج إلى دفاع، وليست ضيفًا يحتاج إلى إذن، إنها جزء من تاريخ تشكل عبر قرون، ومشروع مستقبل لا يزال مفتوحًا أمام أمة تريد أن تستعيد إرادتها.

ومن يعرف من هو، لا يخاف من أن يعرفه الآخرون.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.