منصات الشعارات وهشاشة الواقع، تفكيك البنية الفكرية للمأزق السياسي السوداني

صحيفة الهدف

بقلم: عادل أحمد محمد

تتجلى الأزمة العميقة لأي مجتمع حين يتحول الخطاب السياسي من أداة لبناء الدولة وإدارة التنوع إلى ساحة للسجال التجريدي حول المفاهيم الغربية المقطوعة عن سياقها. في الحالة السودانية، لم تكن السجالات التي تدور حول مفاهيم كـ العلمانية أو  المرجعية الدينية سوى قشرة خارجية تُغطّي صراعاً أعمق على الشرعية، النفوذ، والهيمنة. إن التمعن في ممارسات وتاريخ  النخبة السودانية يكشف عن انفصام ممتد بين التنظير الشفاهي والفعل التاريخي حيث ظلت الشعارات تُستدعى لتبرير التموضع السياسي لا لبناء مشروع وطني جامِع.

الانفصال المعرفي بين تجريد المفهوم وتعقيد الواقع

تعاني النخب السياسية السودانية من إشكالية إسقاط المفاهيم الجاهزة فوق مجتمع يتميز بتركيبة مركبة من العشائرية، والتنوع الثقافي، والتباين التنموي. عندما تُطرح مفاهيم كالعلمانية أو الفيدرالية أو الديمقراطية الليبرالية في أروقة الفنادق والمؤتمرات بوصفها مساومات أو حزم حتمية دون تنزيلها في البيئة الاجتماعية السودانية، فإنها تتفرغ من محتواها الإنساني والوظيفي.

  المفاهيم كشعارات نفعية.

يغدو المفهوم مجرد أداة لاستقطاب الدعم الخارجي أو الاستقواء الداخلي، بدلاً من أن يكون إطاراً عملياً لتأمين العيش الكريم، وترسيخ العدالة الانتقالية، وإعادة توزيع الثروة.

  الهروب من الأصول .

إن القفز المتكرر نحو التنظير الفكري الصرف يُعد في جوهره هروباً من مواجهة الاستحقاقات الهيكلية لبناء الدولة الوطنية فالشعارات لا تبني المؤسسات إذا كانت البيئة المجتمعية تعاني من التهميش والغلاء والنزاع المسلح.

مفارقة المثقف والسلطة .،

النموذج والممارسة

تتجلى إحدى أبرز المفارقات الفلسفية للأزمة في مسار  المثقف العضوي الذي مارس نقد الفشل النخبوي وقدم تشخيصات بليغة للخلل الهيكلي، لكنه في الوقت ذاته شَغَل مواقع قيادية وصنع قرارات ضمن أنظمة شمولية. يظهر هذا التناقض بوضوح في تجارب قادة الرأي والسياسة الذين تنقلوا بين أجهزة الأنظمة العسكرية المايوية أو الشمولية، ثم أطُر الحركات المسلحة، مع الاحتفاظ بكتالوج التنظير للديمقراطية والحريات.

البعد  الطرح النظري للنخبة  واقع الممارسة السياسية

الديمقراطية والحريات الدعوة لحكم القانون والمؤسسية المشاركة في صياغة توجيهات الأنظمة الشمولية

التعددية والتشارك  نقد المركزية وإدمان الفشل  التحالف مع التكوينات الفردية أو أدوات البندقية

بناء الدولة الوطنية  نقد الانقلاب والاستقواء بالعسكر  الاستعانة بالمؤسسة العسكرية لإزاحة الخصم المدني

هذا التناقض المعرفي يسقط الحدود الفاصلة بين النقد والممارسة فالناقد الذي يكتب عن  إدمان الفشل يصبح في لحظة فارقة شريكاً في إنتاج هذا الفشل، طالما أنه استمد نفوزه واستمراريته من أجهزة السلطة التي ينقدها.

الاستعارة العسكرية كبديل عن التوافق الوطني

إن الظاهرة الأكثر خطورة في التاريخ السياسي السوداني ليست مجرد وقوع الانقلابات العسكرية (1958، 1969، 1989، وما بعدها)، بل هي التواطؤ التاريخي المستمر بين النخب المدنية بمختلف أطيافها والأجهزة العسكرية والأمنية.

  غياب الإجماع على قواعد اللعبة .

أثبتت النخب عبر عقود عجزها عن بناء إجماع أيديولوجي وسياسي يضمن الانتقال السلمي للسلطة، مما جعل المؤسسة العسكرية خياراً تكتيكياً لتصفية الحسابات السياسية بين الفرقاء.

  تغذية الشمولية .

كل تحالف مدني، عسكري كان يمنح السلطة الشمولية شرعية مؤقتة وغطاءً فكرياً، لتكون النتيجة الدائمة هي تفكيك مؤسسات الدولة الوطنية وتعميق حالة التشرذم والتفتت الاجتماعي.

إن الأزمة السودانية في جوهرها ليست أزمة نقص في المفاهيم أو قلة في الأدبيات النظرية، بل هي أزمة ممارسة وشرعية ونزاهة فكرية. إن تجاوز هذا الانسداد التاريخي يقتضي كشف الأقنعة عن الشعارات البراقة، والاهتمام بالبناء المؤسسي الفعلي الذي يضع إنسان السودان وكرامته واستقراره في مركب الصدارة بعيداً عن ألعاب النخب وتجاذباتها الممتدة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.