الحقيقة المُرّة من يملك حق النقض على السلام في السودان؟

صحيفة الهدف

أمجد السيد

دعونا نواجه الحقيقة كما هي، لا كما نحب أن نراها.

هذه الح.رب لن تتوقف قريبًا.

ليس لأن الجيش عاجز عن تحقيق انتصار كامل، وليس لأن الدعم الس.ريع قادر على حسم المعركة لصالحه، وإنما لأن الح.رب تجاوزت منذ زمن كونها مواجهة بين قوتين عسكريتين، وأصبحت شبكة معقدة من المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية، لكل طرف فيها حساباته الخاصة، ولكل مجموعة أسبابها التي تجعلها ترى في استمرار الح.رب مكسبًا، أو على الأقل أقل خسارة من السلام.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من ينتصر؟ بل أصبح: من يملك حق النقض على السلام؟

لقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن نظرية الحسم العسكري لم تكن سوى وعد سياسي أكثر منها خطة قابلة للتحقق. فكل تقدم يحققه أحد الطرفين يقابله إعادة تموضع للطرف الآخر، وكل إعلان عن اقتراب النهاية يعقبه اتساع جديد لدائرة الق.تال. وبين هذا وذاك، يستمر نزيف الوطن، بينما تتراجع الدولة وتنهار الخدمات ويتحول ملايين السودانيين إلى نازحين ولاجئين.

المفارقة أن الح.رب فشلت في تحقيق معظم الأهداف التي اندلعت من أجلها. فلا الدعم الس.ريع تمكن من فرض مشروعه، ولا الجيش استطاع إنهاء الح.رب بالقوة. بل إن كثيرًا من القوى التي دخلت المعركة بحثًا عن مكاسب سياسية أو عسكرية وجدت نفسها تخسر نفوذها ومناطق تأثيرها، خصوصًا في دارفور، بعدما تحولت من أطراف سياسية إلى أطراف مق.اتلة.

ومع ذلك، تستمر الح.رب.

لماذا؟

لأن قرار الح.رب لم يعد قرار مؤسسة واحدة، ولا شخص واحد.

وهنا تكمن العقدة الأساسية.

فالجيش لا يق.اتل منفردًا، بل ضمن تحالف واسع يضم تشكيلات عسكرية وحركات مسلحة وقوى سياسية وشبكات مصالح نشأت خلال سنوات طويلة. ومن الطبيعي في مثل هذا الواقع أن تتعدد مراكز التأثير، وأن يصبح اتخاذ قرار السلام أكثر تعقيدًا من اتخاذ قرار الح.رب.

ولهذا فإن أي قراءة تفترض أن توقيع قائد واحد على اتفاق سلام يكفي لإنهاء الح.رب، تتجاهل طبيعة المشهد الحقيقي. فالاتفاقات لا تنجح بالتوقيع عليها، وإنما بقدرة من يوقعها على تنفيذها وفرضها على جميع القوى التي تتحرك باسمه أو إلى جانبه.

وهنا يبرز سؤال لابد من طرحه: هل يمتلك الفريق أول عبد الفتاح البرهان السيطرة الكاملة على جميع القوى التي تق.اتل في المعسكر المؤيد للجيش؟

المشهد، كما يبدو من الخارج، يوحي بأن الإجابة ليست بهذه البساطة. فداخل هذا المعسكر توجد قوى ذات أجندات مختلفة، ورؤى متباينة، ومصالح ليست متطابقة بالضرورة. وبعض هذه القوى قد يرى أن أي تسوية سياسية شاملة ستؤدي إلى إعادة ترتيب موازين النفوذ داخل الدولة، بما يهدد امتيازاته أو يحد من تأثيره.

كما أن هناك من يعتقد أن أي انتقال إلى نظام ديمقراطي مدني سيعيد تشكيل الحياة السياسية بصورة قد تدفع بعض القوى، ومنها التيار الإسلامي، إلى فقدان كثير من مواقع النفوذ التي احتفظ بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة خلال السنوات الماضية. وإذا صح هذا التقدير، فمن الطبيعي أن يصبح السلام بالنسبة لهذه القوى مشروعًا يحمل مخاطر سياسية أكبر من استمرار الح.رب.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن جميع الأطراف داخل هذا المعسكر تتبنى الموقف نفسه، لكنه يعني أن تعدد مراكز القرار يجعل الوصول إلى تسوية مستقرة أكثر تعقيدًا.

وفي المقابل، لا يبدو أن معسكر الدعم الس.ريع يخلو هو الآخر من حسابات ومصالح تدفع باتجاه استمرار الق.تال، وهو ما يجعل الأزمة السودانية أكبر من كونها صراعًا بين قائدين، وأقرب إلى صراع بين شبكات متداخلة من القوة والمصلحة.

لهذا فإن الحديث عن قرب نهاية الح.رب كلما تغيرت خريطة السيطرة العسكرية لا ينسجم مع طبيعة الصراع. فالح.روب الأهلية لا تنتهي عندما يتقدم طرف ميدانيًا، وإنما عندما تتغير حسابات القوى التي تستفيد من استمرارها، أو عندما يصبح السلام أقل كلفة على الجميع من الح.رب.

إن أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه السودانيون هو الاعتقاد بأن نهاية المعارك تعني نهاية الأزمة. فحتى لو توقفت البنادق غدًا، فإن معركة بناء الدولة ستبدأ من اليوم التالي، وهي معركة أصعب من الح.رب نفسها، لأنها تتعلق بإعادة بناء الثقة، وإصلاح المؤسسات، وتحقيق العدالة، والاتفاق على شكل الدولة التي يريدها السودانيون.

إن الحقيقة المُرّة هي أن السودان لا يعاني فقط من ح.رب بين جيش ودعم س.ريع، بل من أزمة بنيوية في إدارة السلطة، ومن تشابك مصالح يجعل بعض القوى تنظر إلى الح.رب باعتبارها وسيلة للبقاء.

ولهذا فإن الطريق إلى السلام لن يبدأ من الميدان وحده، بل من الاعتراف بأن إنهاء الح.رب يتطلب معالجة المصالح التي تُغذّيها، لا الاكتفاء بإسكات أصوات المدافع.

فالح.روب لا تنتهي عندما تتعب البنادق… بل عندما تتعب المصالح التي تحملها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.