حرب الندامة ووطن يأكله تجار الحروب

صحيفة الهدف

الفاتح إبراهيم الصمد (ود الأغبش)

لن تعيش وحيدًا في عالم متماسك ومترابط بالمصالح والسلام والمنافع المتبادلة

لن تستطيع أن تبني حول السودان سور من الشعارات ثم تطلب من العالم أن يصفق لعزلتك

ولن تستطيع أن تدفع بثروات البلاد الخام إلى الجيران بحثًا عن حفنة من الرضا السياسي ثم تسمي ذلك سيادة وطنية

السيادة التي تأكل من موارد الفقراء لتشتري صمت الخارج ليست سيادة

والوطن الذي يخرج منه الذهب والماشية والمحاصيل وتعود إليه الفاقة والظلام ليس وطن يدير موارده بل غنيمة مفتوحة للصوص والانتهازية والأرزقية وكتلة الموز . وشلة  تركيا  وأصحاب الأخدود …

يا لها من مهزلة

بلد ينام فوق الثروات ويستيقظ مواطنه يبحث عن الماء والدواء والكهرباء والخبز

وكلما ضاقت الأرض على الناس اتسعت طرق التهريب

وكلما جاع المواطن امتلأت جيوب سماسرة الح.رب والفتن .

وكلما انهارت الدولة ارتفعت أصوات الذين يريدون إقناع الناس بأن استمرار الح.رب هو الطريق الوحيد لإنقاذها

هذه ليست معركة كرامة عندما يصبح المواطن هو الخاسر الدائم

هذه ح.رب ندامة طويلة يدفع ثمنها الذين لا يملكون من الح.رب سوى قبور أبنائهم وبيوتهم المحروقة وحقائب النزوح

أما الذين ربطوا بقاءهم السياسي ببقاء الح.رب فقد اكتشفوا أن السلام سؤال مخيف

لأن السلام يعني دولة

والدولة تعني قانون

والقانون يعني حساب

والحساب يعني السؤال عن المال والذهب والموارد والشركات والامتيازات وعن وطن كامل جرى استهلاكه في سوق السلطة

لهذا تصبح العزلة السياسية وسيلة للبقاء على كراسي السلطة  ومواكب السيارات الفارهة

وتصبح الح.رب جسر للعودة إلى الحكم

ويصبح الخوف من الآخر وقود جاهز كلما احتاج تجار السياسة إلى المزيد من الوقت

لكن السودان ليس جزيرة يستطيع أحد أن يغلق أبوابها ويعيش فيها وحده

السودان بلد محاط بجيران ومصالح وحدود وتجارة ومياه وهجرات ومجتمعات متداخلة

لا توجد عبقرية سياسية في تحويل الحدود إلى أبواب واسعة للتهريب بينما تضيق على المواطن أبواب الحياة

تخرج الموارد

ويخرج الذهب

وتخرج الثروة

ويبقى صاحب الأرض واقفًا في صف الماء

كأن السودان خلق ليصدر خيراته ويستورد بؤسه

وحين تنهار الكهرباء لا يجري إصلاح الدولة بقدر ما تنمو حول الانهيار أسواق جديدة وتجار جدد. وأبواق إعلامية  تبيع  علف التنوير  المغلف بالأكذوبة للمواطن البسيط

تتراجع الشبكات

تغيب الخدمة

تدخل الشركات

ويصبح المواطن مطالبًا بشراء الكهرباء لنفسه

حتى تتحول الشمس نفسها إلى سلعة

ألواح وبطاريات وانفرترات وأسلاك

وتصبح الكهرباء التي كانت حق عام حلم خاص لمن يملك ثمنه

ومن لا يملك فله الظلام ..

وهكذا يمكن للانهيار أن يتحول إلى تجارة ومال في يد قلة ..

وللعجز أن يتحول الى سوق لتجار الأزمات والطفيلية

غياب الدولة  يصنع أصحاب مصالح لا يريدون للدولة أن تعود.. ينتعشون في جو الفوضى

وفي قلب هذه المأساة يقف المواطن السوداني

ذلك الهالك التعبان

الرجل الذي لم يعد يسأل عن الرفاهية

بل عن مكان آمن يضع فيه رأسه

هرب من الح.رب فلاحقته المهانة

عبر الحدود يحمل ما تبقى من عمره وأهله وأطفاله..

فوجد الكشات والمطاردة في شمال الوادي

ووجد ضيق الحياة في المنافي

ووجد القسوة في بعض مراكز النزوح

ثم قيل له عد إلى وطنك الحبيب

ثم عاد حيث وجد قوم عاد يسيطرون على الدولة. أمثال الفكي جبرين . وكميل إدريس .  ومحمد إسماعيل الأمين .

فوجد البيت بلا ماء.

والحي بلا كهرباء

والمستشفى بلا دواء

والسوق يلتهم ما تبقى من معاشه

والسماء نفسها لم تعد مأمونة

صوت الموت يسكن المكان  إنه يأتي من حيث لا يرى

حتى الشقة التي عاد إليها أهلها كأنها قبر له شبابيك

جدران بلا خدمات

حنفية بلا ماء

مفتاح بلا كهرباء

ومطبخ كأنه مخزن فارغ

هذا هو المواطن الذي يطالبونه بالصبر

صبر على ح. رب الندامة

وصبر على النزوح

وصبر على الغلاء

وصبر على الظلام

وصبر على غياب الدواء

وصبر على فساد السياسة

وصبر على الذين ينهبون الموارد ثم يحدثونه عن التضحية

حتى صار الصبر نفسه ضريبة يدفعها الفقير نيابة عن الذين صنعوا الكارثة

أما الكبرياء الزائف فلا يبني وطن

والعناد ليس سياسة

والمراوغة ليست مشروع يبني دولة

والكذب مهما طال عمره لا يستطيع تشغيل محطة كهرباء ولا إعادة مستشفى ولا إطعام طفل نازح جائع مريض.

والوطن لا يسترد بالشعارات ( جيش واحد شعب كافر )  على حد مقولة المتشيخ محمد إسماعيل الأمين.

المواطن هو من أطلق الرصاصة الأولى.

الوطن يعود وطنًا باسترداد الدولة من تجار الح.روب وتجار الموارد وتجار الخوف

السودان لا يحتاج إلى مزيد من المقابر حتى يثبت أحدهم أنه كان على حق

ولا يحتاج إلى ح.رب أطول حتى يحتفظ أحدهم بمقعد أقرب إلى السلطة

ولا يحتاج إلى حدود مفتوحة للصوص ومغلقة في وجه المواطن

ولا يحتاج إلى اقتصاد يهرب الذهب ويستورد الظلام

السودان يحتاج إلى نهاية لهذه الحلقة المجنونة

لأن هوة الانحدار كل يوم تصبح أعمق ليس لها نهاية

وجاذبية الفناء لا تنتظر خطابات الحماسة وعصير العرديب وأزبوع أزبوعيين

والبلاد التي تستنزف شبابها وثرواتها ومؤسساتها لن ينقذها نشيد ح.رب جديد

فالكرامة ليست أن يموت المواطن كي يعيش السياسي

الكرامة أن يعيش المواطن حتى لو مات المشروع السياسي

والسيادة ليست راية فوق مبنى محطم

السيادة ماء في البيت وعودة آمنة

الكرامة

دواء في المستشفى

كهرباء في الحي

مدرسة مفتوحة

طريق آمن

حدود تحرس الوطن لا تجارة اللصوص

وثروة تعود إلى الشعب لا حقائب تعبر الحدود

ومن يريد أن يحكم السودان عليه أولًا أن يقبل بوجود السودان وأن يحترم المواطن

وأن يوقف تجار الدين الذين يفتون  بق.تل ثلثين الشعب  ليفضل الثلث.  أو أن اعتمار الناشطة حنان حسن عمرتها غير مقبولة  لأنها أحد ركائز ثورة ديسمبر.

يجب أن يكون الوطن للناس جميعًا

لا مزرعة لتنظيم المتطرفين والبراء

ولا مخزن للذهب المحتكر

ولا سوق للح.رب

ولا محطة انتظار لمشروع سلطة مات وبقي رجاله يحاولون إطالة عمره من عمر الشعب

لقد تحولت ح.رب الكرامة في حياة المواطن المنهك إلى ح.رب ندامة

والندامة الكبرى ستكون يوم يكتشف دعاة استمرارها أنهم حافظوا على معركتهم

لكنهم أضاعوا الوطن.. وينعمون بخيراته المنهوبة  في أوطان أخرى.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.