محمد حماد عبدالمنعم
سنون عجاف وجدباء من ح.ربٍ عبثيةٍ تمر، وفي خضمها تمضي الأيّام بلياليها الثقيلة، ونهاراتها العصيبة. وبعضها ينسلّ وينساب كالماء، وتفلت الحكايات من ذواكر عجائز، وأخرى شاخت، وذهلت. وبلاد النيلين ما زالت غارقة في بحور وشلالات الدماء والتيه.
وفي كل صباح ومساء، حين أمر بمخيم النازحين بالقرب من حوش صرح الجامعة شمالاً، تظل تلاحقني أطيافٌ وأشباحٌ، وأطيافٌ أخرى باسقةٌ سامقةٌ تحلّق بي في سماوات الذاكرة، وهي ذاكرةٌ عنيدة: “لا تنسى، ولا تغفر، ولا تتنازل” كالثورة تماماً. ولكنها قد تتغابى متوقدةً كأبناء الرياح العاقين والذين لا تستهويهم النار ولا اللهب، وكالبراكين أيضاً في نشاطها. وبالضبط كالحكاوي وحكايات وخطوات “اللاجئين والنازحين” التي لا يعرف عنها أحد شيئاً إلا هم أنفسهم، مهما كُتب عنهم ومهما تُتبع أثرُهم ووُصفوا في المقالات والقَصّ والقصص.
وخطواتهم كخطوات التصالح مع مشقة المعنى، فالطريق إلى المعنى كالعاجة ليس طريقاً مفروشاً بالورود الناضرة. لكنه محفوفٌ بالابتلاءات الجِسام، والتعب، والأنين. رغم أن الفرق بين “التعب الصالح، والتعب كهباءٍ منثور” هو أن الأول يمنح أصحابه شعوراً بالطمأنينة والإنجاز الداخلي؛ رغم إرهاق الجسد. أما الثاني: فيترك في الرّوح خواءً مريراً مهما بلغت المكاسب المادية والرمزية. و”التعب الصالح” رأيته في خطواتهم حين أعبر بطريق مسكنهم في تلك الخيام ذات الألوان “الزرقاء والبيضاء”. رغم أن وجوههم قد صار يتهيأ لي عند كل صباح ومساء حين أراهم أن لا زمان يجمعها، ولا أماكن تأويها، ولا صدفةً تُسعفها إلا العودة إلى ديارهم. إذ لا سؤال يُطرح، ولا أجوبة تُعطى، غير أن خطواتهم هي من تجسد “عمق المعاناة والمأساة” التي خُلقت. ويُخشى وضوحها ونورها ذو المغزى لحقيقة ضرورة السّلام، وسفع الحنين والفقد الذي يتخفى في خطواتهم وسكناتهم.
وكالليل والقمر تتشابه خطوات النازحين في بلادهم واللاجئين خارج حدودها “حدّ الترف، والبرودة، والتمرد.” وكلاهما ينتظر الآخر أن يُلقى في ركام المواجهة. ولكن أفكار الطُغاة، أعداء العصافير، وسارقي البنفسج وحليب الأطفال، تتحول إلى ساحات ح.روب. والنازحون/اللاجئون يقرأون دائماً بعيونهم المتعبة رسائل حبٍ بأجنحة مكسورة، ووجدانيات مسفعة بالألم، والمعاناة، والفرقة. وينتظرون رغم ذلك ملامح سلامٍ لم يولد بعد!؟ أي سلامٍ كالمنقذ الذي ظل عالقاً في “رحم الأمل”، وكزهرةٍ في أقاصي الجبل تنبع من الصخور. سلاماً ظل ينتظر طويلاً في محطات الانتظار الوطني.. وفي أنين الجوعى والفقراء.. وفي “خطوات اللاجئين والنازحين” المتعبة.. وفي حكاوي أهل الله الكُثر الخمج والما خمج.
ولأننا لم نكن لحظةً في هدنة، فكانت الح.روب المستمرة التي تطفئ شموع السّلام والأمل. ولأن ما وصلنا إليه هو في أجزاء الحقيقة كان “ح.روباً مؤجلة”. وعلى دكة الانتظار الوطني جلوساً، والجميع يترقبون، ويراقبون، بل يموتون!! لأن القاعدة في خضمّ الح.رب تقول: لا يحق للمرء أن يحلم، أو أن يصحو بدون سلاح، وبدون سماع دويه! هكذا قالوا وما زالوا يقولون من كتابهم الرث الذي يقرأون.
أما الح.روب، أيها الفقراء والجوعى، والنازحون واللاجئون، فهي: “سّلامٌ مختبئ، كما أن السّلام أيضاً هو ح.روبٌ مختبئة.” وهكذا تمضي عجلة الحياة. فطوبى للغرباء ولأهل المقاومة ودعاة السّلام. وتباً للحرابة ومجداً للسّلام.
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #محمد_حماد_عبدالمنعم #اللاجئين_والنازحين #معركة_الوعي

Leave a Reply