صلاح أحمد
قامتان سودانيتان؛ الطيب صالح وأبكر آدم، كانت علاقتهما علاقة أدبية وثقافية بحتة ضمن تطور أدب الرواية السودانية والقصص القصيرة، وبالرغم من أنهما من أجيال مختلفة، لكن دومًا يذكران معًا في الدراسات النقدية الأدبية.
سنتناول هذه المساجلة بين “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح في بعض عباراتها في مقابل إحساس رواية “الطريق إلى المدن المستحيلة” لآدم أبكر..
الطيب صالح يقول في إحدى إبداعاته:
“ذاك دفء الحياة في العشيرة، فقدته زماناً في بلاد تموت من البرد حيتانها!”
وهو يبحث عن المدن المستحيلة.
عبارة “تموت من البرد حيتانها” تصوّر كيف أن هذه المدن رغم اتساعها وعظمتها تتصف ببرودة جافة تقتل الروح، مما يبرز التناقض الحاد مع “دفء العشيرة” و”سكينة النيل” التي يظل الباحث يحن إليها.
النيل والمكان كمرآة للحالة النفسية
المكان عند الطيب صالح لا يقف خلفيةً صامتة للأحداث، بل يتحول إلى كائن يشعر ويحاور الباحث في رحلته.
هذا المشهد في وصفه لحالة الترقب والبحث الشاق عن الوطن والملاذ:
“نهر النيل الصبور يسير سيره الحكيم، ويعزف لحنه القديم… والسماء ما تزال صافية فوق أرض السودان، أم أنهم حجبوها بالأكاذيب؟”
إنها البراعة الفنية يا سادة؛ أنسنة النهر ومنحه صفة الوصف بالصبور والحكيم.. تظهر حركة الزمان الدائمة في مقابل قلق الباحث وتخبطه.
النهر هنا يمثل الأيقونة الدائمة للمدينة الأولى والأصل، بينما المدن المستحيلة الأخرى التي يمر بها مجرد غبار متحرك على حافة هذا النهر الخالد.
تصوير تمزق الهوية وتبدد السراب
يبحث المسافر عن مدينة تمنحه الاعتدال والاستقرار، ولكنه يصطدم دائمًا بالنظرة المعلمة والأطروحات الجاهزة من الآخرين.
المشهد: في تأمله لحالة الضياع بين الشرق الغارق في أوهامه والغرب المتكبر، يجسد إحساس كل مهاجر أو مغترب أو حتى لاجئ بعبارة:
“يا للغرابة، يا للسخرية، الإنسان لمجرد أنه خلق عند خط الاستواء، بعض المجانين يعتبرونه عبدًا وبعضهم يعتبرونه إلهاً… أين الاعتدال؟ أين الاستواء؟”
إنها الجملة المكتوبة بإيقاع متصاعد تكشف قلق ضحية التهجير الذي يرفض أن يُوضع في قالب، ويريد فقط أن يُعامل كإنسان يبحث عن الطمأنينة والبساطة.
الحكمة القريبة المكتشفة في نهاية الطريق…
في ذروة رحلة البحث بين المدن المعقدة والفلسفات الحديثة، يصل الباحث إلى إدراك بليغ ومفاجئ.
يبدع الطيب صالح بعبارة:
“نعم، أنا أعلم الآن أن الحكمة القريبة المنال تخرج من أفواه البسطاء، هي كل أملنا في الخلاص.. الشجرة تنمو ببساطة، وجدك عاش ببساطة وسيموت ببساطة.. ذلك هو السر..”
السر يكمن في البساطة والتصالح مع الجذور. البناء اللغوي الهادئ والواضح ينقل للعارض شحنة من السكينة والاطمئنان بعد طول قلق وترحال.
يقف الناقد المتذوق للأدب السوداني أمام تجربة الكاتب العظيم الطيب صالح وتحديدًا في عمله “صور من حياة مدينة” والتي تُعرف وتُقرأ في سياق تداعي الذكريات بـ “طريق المدن المستحيلة” أو رحلة البحث عن المدينة المتخيلة/المستحيلة، موقف المشدود إلى النسيج اللغوي الذي لا يُكتب بمجرد القلم، بل يُحفر في الوجدان بـ “إبرة الفن”.
الطيب صالح في هذا الفضاء النثري ليس مجرد قاصٍّ يروي حكاية، بل هو معمار للغة ورسام يمتلك لوحة ألوان استوائية دافئة، ينقل فيها شجن البيئة السودانية وثراءها الشعوري إلى مصاف الأدب العالمي.
1. الإبداع اللغوي: النثر الشفاهي المُصاغ بأصالة المعمار
الإبداع اللغوي عند الطيب صالح يكمن في قدرته الفائقة على ترجمة النغمة الشفاهية للنيل والريف السوداني إلى لغة عربية فصيحة، رصينة، وشاربة من منبع الشعر.
-
الإيقاع الموسيقي للجملة: الجملة عند الطيب صالح ليست طويلة ممتدة حد الإملال، ولا قصيرة بتراء، بل تعتمد على “التنفس”. تجد في بناء العبارات إيقاعًا يشبه خرير الماء في الساقية أو صدى صوت “النحاس” (الطبول التقليدية) في المدى.
-
القاموس الثري بالدلالات المكانية: يستدعي المفردات الفصيحة التي تمتلك شحنة حسية سودانية. تجده يطعم نثره بأسماء الأماكن والأشجار (الحراز، النخل، النيم) وأوصاف الظلال والأشعة بصورة تجعل الكلمة نفسها مادة ملموسة تُرى وتُلمس.
-
الاقتصاد والبراعة: يتجنب الحشو؛ كل كلمة تؤدي وظيفة هندسية في بناء الجملة، مما يمنح النص متانة لغوية عالية.
2. الإحساس الفني: الشجن المستبد والمكان ككائن حي
الإحساس الفني في تناول الطيب صالح للمدن والمشاهد ينبع من عاطفة الحنين التي لا تبكي على الماضي، بل تستحضره في اللحظة الحاضرة بحرارة.
-
المدينة كرمز مستحيل: (المدينة) عنده ليست مجرد شوارع ومبانٍ من حجر، بل هي حالة ذهنية ونفسية. إنه يكتب عن المدن بإحساس الغريب الذي يحمل مدينته الأسطورية (النيل، الجريد، الوجوه الأليفة) داخل قلبه، فتصبح كل مدينة يزورها أو يكتب عنها مجرد ظل للمدينة الأولى المستحيلة التي لا تبارح الروح.
-
التأرجح بين الشرق والغرب: الإحساس الفني محمول على وتر المشاعر المركبة: دفء القرية/الجنوب مقابل برودة وتطور الغرب/الشمال. هذا التقابل يولد شحنة درامية عالية في أحاسيس الشخصيات والراوي.
3. الصور الجمالية: الرسم بالكلمات والظلال
تتجلى الصور الجمالية في هذا العمل عبر التجسيد البصري والحسي، حيث تتداخل الحواس (اللمس، الشم، الرؤية) لتشكيل الصورة.
-
الصورة البصرية المكثفة: حين يصف حركة الضوء على سطح الماء، أو انكسار النور بين أوراق الشجر، لا يصف الشكل فقط، بل يصف أثر الضوء على النفس؛ تشعر وكأنك أمام لوحة انطباعية تفيض بالضوء والظل.
-
أنسنة الطبيعة والمعالم: الأشجار والنهر والرياح لا تقف مجرد خلفية للأحداث، بل تشارك في البطولة. النخل يتكئ كالحكماء، والنيل يهمس أو يغضب، والليل يلقي بعباءته كشيخ صوفي في حلقة ذكر.
-
التناص مع التراث الصوفي والشعبي: تصوير المشاهد غالبًا ما يُحاط بهالة من الرؤية الصوفية؛ الرؤيا عنده ليست مجرد نهار وليل، بل هي كشف وإشراق، مما يمنح الصور الجمالية بعدًا روحيًا يمس سويداء القلب.
خلاصة نقدية
إن السحر الفني للطيب صالح يكمن في أنه ينسج من التفاصيل اليومية البسيطة أساطير ملونة. لغته تشبه الخمر المعتقة، إحساسه يستفز الحنين المتخبي في الروح، وصوره الجمالية تُبنى بحس فنان يعرف متى يضع اللمسة الزاهية ومتى يترك الظل ليحكي باقي القصة. إنه يجعل من “الطريق إلى المدن المستحيلة” رحلة داخل الذات البشرية بحثًا عن الطمأنينة والجمال الأول.
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #صلاح_أحمد #الطيب_صالح #أبكر_آدم

Leave a Reply