علي الدوش
أصبحت الكهرباء اليوم تمثل سلاحاً من أسلحة التجويع والقهر، وأداةً تدفع المجتمع نحو أزمات معيشية وأخلاقية عميقة. فغيابها لا يقتصر على انقطاع التيار، بل يمتد أثره إلى تعطيل دورة الحياة، وإضعاف الاقتصاد، وإرهاق الإنسان، وخلق بيئة مواتية للتفكك الاجتماعي.
ومع التطورات الهائلة التي شهدها العالم تحت مظلة الثورة الصناعية الرابعة، والثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، أصبحت الكهرباء ضرورةً لا غنى عنها، شأنها شأن الماء الذي وصفه الله تعالى بأنه أصل الحياة، فقال سبحانه:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
فإذا كان الماء هو أصل الحياة، فإن الكهرباء أصبحت اليوم وسيلة استمرارها وإدامتها في العصر الحديث.
والكهرباء ليست مجرد خدمة ترفيهية، ولا وسيلة للراحة، وإنما هي شريان الحياة المعاصرة، والمحرك الرئيس لعجلة الإنتاج والتنمية. فهي التي تدير الحقول الزراعية، وتشغّل مضخات المياه، وتحفظ الغذاء في المنازل والأسواق، وتدير طواحين الغلال، وتشغّل الورش والمصانع، وتوفر بيئة مناسبة للعمل والإنتاج، وتخلق فرص العمل، وتضمن استمرار النشاط الاقتصادي.
ولهذا أدركت الدول التي تُبنى على أسس مؤسسية أن أمن الطاقة جزء من الأمن القومي، فاستثمرت في تطوير مصادرها وتنويعها، وأقامت المفاعلات النووية السلمية، واستثمرت في الطاقة الشمسية والرياح وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة، سعياً إلى ضمان استدامة الكهرباء، بوصفها حقاً من حقوق المواطن وأحد أهم مقومات التنمية والرفاه.
أما في الدول التي تحكمها مافيات المصالح، فإن الكهرباء تتحول من خدمة عامة إلى أداة للضغط السياسي والاقتصادي، تُستخدم لتنفيذ أجندات ضيقة، أو لتصفية الحسابات، أو لفرض الهيمنة على المجتمع. وعندها لا يصبح انقطاع الكهرباء أزمةً فنية، وإنما سياسةً مقصودة، يدفع المواطن وحده ثمنها.
ومن المفارقات المؤلمة أن بلداً وهبه الله نهراً عظيماً لا ينقطع جريانه، ويتمتع بساعات طويلة من أشعة الشمس طوال العام، ما يزال يعيش أزمات كهرباء متكررة. فلو وُجدت الإرادة السياسية والإدارة الرشيدة، لتحولت هذه الموارد الطبيعية إلى مصدر دائم للطاقة والتنمية.
لكن حين تغيب الدولة وتحضر شبكات المصالح، تُهدر الموارد، ويُحرم الإنسان من أبسط حقوقه، حتى الكهرباء التي كان ينبغي أن تكون عنواناً للحياة والكرامة، تصبح وسيلةً لإذلاله.
والأدهى من ذلك أن المواطن، في ظل هذا الواقع، يُجبر على البحث عن حلول بديلة، كالطاقة الشمسية، ثم يجد نفسه مطالباً بدفع الرسوم والجبايات حتى على استثمار نعمة الشمس التي وهبها الله للناس جميعاً، وكأن الضرائب لم تعد تُفرض على ما يصنعه الإنسان، بل على ما خلقه الله.
إن الكهرباء ليست رفاهية، وليست امتيازاً تمنحه السلطة متى شاءت وتحجبه متى شاءت، بل هي حق إنساني، وركيزة أساسية للحياة الحديثة، ومؤشر حقيقي على كفاءة الدولة واحترامها لمواطنيها. فحين تصبح الكهرباء أداة للعقاب، يكون الخلل قد تجاوز قطاع الطاقة، ليصيب فلسفة الحكم نفسها. فالدولة التي تعجز عن توفير الكهرباء لمواطنيها، أو تستخدمها وسيلةً للهيمنة، لا تعاني أزمة كهرباء فحسب، بل تعاني أزمة إدارة، وأزمة رؤية، وأزمة ضمير.

Leave a Reply