ويجب التوقف هنا أمام مفهوم الحماية الاجتماعية، فهو مفهوم غربي تم تطويره لكي يعطي الحق للحكومات إطلاق العنان لآليات الاقتصاد الحر والسياسات النيوليبرالية مقابل توفير حزم من الدعم المالي أو العيني المباشر أو غير المباشر للفئات الأكثر تضرراً من تطبيق هذه الآليات والسياسات وللتغطية على سوءات الليبرالية المتوحشة. وهذا أمر مفروض من وجهة نظر التنمية بمفهومها الوطني التحرري، حيث يجب أن تكفل آلياتها وسياساتها ذاتها العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والعيش الكريم على أسس مستدامة.
ونتيجة تخلي الحكومات العربية عن التنمية بمفهومها الوطني والتقديم والترويج لأنماط التنمية بمفهومها الدولي الذي يركز على النمو الاقتصادي، فقد أفضى ذلك إلى جملة من الإحباطات الخطيرة لدى الجماهير العريضة من المواطنين الذين يرون أن ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي ومتوسط الدخل الفردي (المصطلح الواسع التداول عالمياً) لا يترجم في تحسين مستواهم المعيشي الحقيقي، أو في زيادة الأراضي الزراعية المتاحة أو في خلق فرص العمل المجزية أو المدارس أو المياه النظيفة أو سوى ذلك من المطالب والتوقعات. وخلال الأعوام العشرة الأخيرة لحق بعدد من الاقتصادات العربية مثل العراق وسورية واليمن وليبيا تدمير البنية التحتية والمنجزات التنموية التي تحققت، وخاصة في العراق بعد غ.زوه، وهيمنة الأمري.كي والفار.سي والعملاء على مقدراته، كذلك الحروب التدميرية التي اجتاحت البلاد الثلاث الأخيرة إلى جانب لبنان.
واليوم، تعاني الاقتصادات العربية إجمالاً من اختلالات بنيوية تجعل منها عاجزة عن تحقيق التنمية الحقيقية والحياة المعيشية الكريمة للغالبية الساحقة من الجماهير، فضلاً عن عجزها عن التخلص من مظاهر التبعية والتخلف، والتحول إلى اقتصاديات قائمة على خدمة مصالح الأمة وأهدافها التحررية.
إن المشهد الاقتصادي الراهن يبين بأن اقتصاديات الأقطار العربية لا تزال بعيدة عن تحقيق التنمية بمعناها الحقيقي المستدام سواء الأقطار الغنية بالنفط أو بالموارد الأخرى فما بالنا بالأقطار المحدودة الموارد.
صحيح إن صناعة النفط لعبت دوراً محورياً في التاريخ الحديث للأقطار العربية سواء المصدرة أو المستوردة، حيث كانت عماد التنمية في الدول المصدرة وبني عليها ما أطلق عليه “دولة الرفاهية”، بينما استفادت الدول المستوردة من المساعدات الإنمائية التي كانت تقدم إليها، علاوة على أعداد كبيرة من العمالة التي انتقلت إلى الأقطار النفطية للعمل فيها. لكن بعد أكثر من خمسين عاماً منذ الطفرة النفطية إثر ح.رب أكتوبر ١٩٧٣ لم تنجح الدول الغنية بالنفط في الاستثمار الصحيح لهذه الثروة في بناء نماذج تنموية مستدامة. وفي أوقات تراجع الإيرادات النفطية عانت هذه الدول كغيرها من الدول من شحة الموارد والاقتصاد المتزايد والتخلي التدريجي لكافة أشكال “دولة الرفاهية” أو الرعاية الاجتماعية، وتم فرض الرسوم والضرائب.
الحصيلة لمسيرة هذه الاقتصادات أنها باتت مأزومة وتتكامل مع الاقتصاد العالمي أكثر منه الاقتصاد العربي، كما تمارس سياسات نيوليبرالية ضارة بالأمن الاقتصادي والاجتماعي الوطني والقومي، ولا تزال تعتمد على النفط ليس فقط في تمويل ميزانياتها، بل باتت الأنظمة الخليجية اليوم تستخدم الأموال المتأتية في بناء قوة عسكرية وأمنية تتسلط بها على مواطنيها وكسلاح سياسي لخدمة مصالحها السياسية في تغيير بعض الأنظمة العربية، وفي ممارسة أدوار إقليمية أكبر من حجمها، بل وفي التطبيع مع الكيان الصهيوني.
لقد بات واضحاً أن من يتحكم في السوق النفطي هم المستوردون وليس المصدرون، أي أن حجم الطلب هو من يقرر السعر العالمي للنفط، هذا علاوة على تنامي أهمية النفط الصخري والطاقة المتجددة والتحولات التكنولوجية المتسارعة التي سوف تقرر بدورها حجم الطلب وأنواع النفط المفضلة، وهي عوامل سوف تعرض الاقتصادات القائمة على النفط للمزيد من الضغوط في المستقبل، عدا عن حقيقة أن النفط هو ثروة ناضبة.
أما الأقطار العربية غير النفطية والغنية بالموارد الزراعية أو الصناعية أو الاستخراجية، فهي الأخرى لم تنجح في بناء نماذج تنمية مستدامة نتيجة لتسلط وفساد الأنظمة التي حكمتها، وغياب التنمية السليمة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية عن هذه النماذج، بل وإخضاعها للتبعية للفئات البرجوازية والطفيلية المتحالفة مع الرأسمال الأجنبي والشركات المتعددة الجنسيات.
ولا تزال القطاعات الاقتصادية الحيوية في هذه الأقطار تشهد عدم استقرار أو تراجعاً في أدائها. وفيما يلي عرض لمؤشرات هذه القطاعات وفقاً للبيانات الواردة في تقارير صندوق النقد العربي.
فقد ارتفعت قيمة الفجوة الغذائية من السلع الرئيسية في الدول العربية بنسبة ١٣ في المائة لتصل قيمتها في عام ٢٠٢٣ إلى حوالي ٤٩.٥ مليار دولار. والزيادة المتواصلة في قيمة الفجوة الغذائية هي النمط السائد في تغيرات قيمة الفجوة الغذائية من عام إلى آخر، فعند عام ٢٠١٥ ارتفعت قيمة الفجوة الغذائية بمعدل سنوي بلغ حوالي ٤.٥ في المائة، وكذلك أظهرت نسب الاكتفاء الذاتي من مجموعات السلع الغذائية الرئيسية اتجاهاً نحو الانخفاض في عام ٢٠٢٣ بالمقارنة مع عام ٢٠٢٢، حيث انخفضت نسبة الاكتفاء الذاتي من الأرز والذرة الشامية والسكر والزيوت والشحوم والخضروات والألبان ومنتجاتها والبيض بنسب متفاوتة، بينما ارتفعت نسب الاكتفاء الذاتي من باقي السلع بشكل طفيف.
كما تتناقص نسبة سكان الريف من إجمالي عدد السكان في الأقطار العربية سنوياً نتيجة الهجرة المتزايدة من الريف إلى الحضر حيث انخفضت هذه النسبة إلى حوالي ٣٩.٧ في المائة عام ٢٠٢٣ بالمقارنة مع ٤٤.٨ في المائة عام ٢٠١٠، كما شكلت القوى العاملة بالزراعة حوالي ١٧.٥ في المائة من حجم العمالة الكلية بالمقارنة مع ٢٢.٤ في المائة عام ٢٠١٠. ويعود هذا التراجع إلى ضعف الاستثمار في الزراعة والتوجه نحو قطاعات اقتصادية أخرى ذات عائد أعلى، وتضاؤل فرص العمل في الوسط الريفي. ففي أغلب الدول العربية يمثل ضعف عوامل الجذب (الدخل، الخدمات والأمان الاجتماعي) للعمل بالقطاع الزراعي أهم أسباب العزوف عن العمل به. فقد بلغ نصيب العامل الزراعي من القيمة المضافة في القطاع الزراعي في الدول العربية حوالي ٦,٢٨٩ دولار في عام ٢٠٢٣ وهو ما يمثل نصف القيمة المماثلة في الدول النامية الأخرى. هذا بالإضافة إلى أثر الميكنة الزراعية في الاستغناء عن عدد كبير من القوى العاملة غير الماهرة في القطاع الزراعي.
وفيما يخص المياه، تحصل الدول العربية سنوياً على ما متوسطه حوالي ٢٦٠ مليار متر مكعب من المياه المتجددة، يرد نصفها تقريباً (حوالي ١٢٩ مليار متر مكعب) من دول الجوار في صورة مياه مشتركة من أنهار وخزانات جوفية مشتركة، بينما ينشأ النصف الآخر (حوالي ١٣١ مليار متر مكعب) من أنهار داخلية المنشأ ومياه جوفية متجددة. وحيث إن عدد سكان الدول العربية في عام ٢٠٢٣ قد بلغ حوالي ٤٥٦ مليون نسمة فإن معدل نصيب الفرد من هذه المياه يُقدّر بحوالي ٥٧٠ متر مكعب في السنة، وهو يمثل حوالي ١٠ في المائة من متوسط حصة الفرد في العالم والذي بلغ في نفس العام حوالي ٣,٧٣٢ متر مكعب للفرد.
وتعتبر ثلاث عشرة دولة بما يشمل دول الخليج العربي واليمن والأردن وفل.سطين وجيبوتي والجزائر وليبيا وتونس، من دول الندرة المطلقة للمياه التي تقل فيها حصة الفرد عن ٥٠٠ م³/سنة، بينما تعتبر ست دول، وهي الصومال ولبنان وسورية ومصر والسودان والمغرب، من دول الندرة المائية التي تتراوح حصة الفرد فيها بين ١٠٠٠-٥٠٠ م³/سنة. ولم تزد حصة الفرد عن حد الندرة المائية المقدر بحوالي ١٠٠٠ م³/سنة إلا في ثلاث دول فقط وهي العراق وموريتانيا وجزر القمر. وتتفاقم أوضاع المياه في هذه الدول كل بضعة أعوام بسبب النمو السكاني ونمو الطلب وأنماط الاستهلاك مع ثبات كميات المياه المتجددة التي تردها سنوياً. هذا إلى جانب ح.روب المياه التي تقودها أثيوبيا وتركيا وإيران ضد الأقطار العربية، مشكلة تهديداً استراتيجياً لأمنها القومي.
وتتميز بعض الأقطار العربية بالصناعات الاستخراجية، بخلاف النفط والغاز، مثل الحديد والفوسفات، بينما تتميز الغالبية بالصناعات التحويلية سواء القائمة على النفط والغاز ومشتقاتهما مثل البتروكيماويات والألمنيوم، أو الصناعات التحويلية الموجهة للإحلال محل الواردات والصناعات الغذائية. لكن هذه الأقطار عموماً لا تزال بعيدة عن الصناعات المتقدمة القائمة على التكنولوجيات الحديثة والاقتصاد المعرفي نتيجة غياب الرؤى والإرادات الحكومية، والاعتماد على استيرادها من الخارج.
#الهدف #الاقتصاد_العربي #التنمية_المستدامة #الأمن_الغذائي #الأمن_المائي #النفط #التلخيص_الاقتصادي #السياسات_الاقتصادية

Leave a Reply