طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
المرجعية في الفكر البعثي ليست نصاً مغلقاً، وإنما منظومة متكاملة. وقد حدد دستور حزب البعث العربي الاشتراكي مبادئه الأساسية والمنهجية، محولاً الرؤية الفلسفية إلى مبادئ سياسية وتنظيمية قابلة للتطبيق. في هذه الحلقة الثالثة، نستعرض البناء الدستوري للمرجعية، ونتتبع مسار الاجتهاد الفكري عبر المؤتمرات القومية، ونتوقف عند التحولات الكبرى التي أثرت في الفكر البعثي، وصولاً إلى الأسئلة المعاصرة حول الديمقراطية والدولة المدنية.
مقدمة: المرجعية في الفكر البعثي ليست نصًا مغلقًا، وإنما منظومة، وكما حدد دستور حزب البعث العربي الاشتراكي مبادئ بيَن من خلالها مفهومه للأمة العربية، والوطن العربي، والمواطن العربي، وسلطة الشعب العربي على أرضه، وحرية هذا الشعب وأسس التفاضل بين أبنائه إضافة ً لنظرته للإنسانية، ودورها في بناء الحضارة. كما حدد الدستور منهجية عمل الحزب باعتباره حزباً قومياً، اشتراكياً، شعبياً، انقلابياً. ولا تأتي أهمية الدستور من كونه وثيقة تنظيمية فحسب، وإنما لأنه يمثل أول محاولة لتحويل الرؤية الفلسفية التي صاغها المؤسسون إلى مبادئ سياسية وتنظيمية قابلة للتطبيق. ورسم سياسات الحزب في مختلف المجالات الداخلية والخارجية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والتعليمية في الدولة العربية الموحدة. وهذه المبادئ الدستورية ليست مجرد نصوص جامدة، بل هي تجسيد عملي للرؤية الفلسفية التي سبق عرضها، وتأكيد على أن المرجعية البعثية ليست خطاباً نظرياً، بل مشروعاً قابلاً للتحقيق، كما يوضح ذلك ما ورد في دستور الحزب من مواد وكما يلي:
- المبادئ الأساسية، والتي تتمثل في التالي: المبدأ الأول: وحدة الأمة العربية وحريتها، المبدأ الثاني: شخصية الأمة العربية، المبدأ الثالث: رسالة الأمة العربية. ولم ينظر حزب البعث إلى الأمة العربية باعتبارها تجمعاً إثنياً أو لغوياً فحسب، وإنما بوصفها أمة صاحبة رسالة حضارية، أي أنها مدعوة للإسهام في تقدم الإنسانية، وهو ما جعل مفهوم الرسالة يحتل موقعاً مركزياً في المرجعية الفكرية للحزب.
- المبادئ العامة التالية:
المادة (1): حزب (البعث العربي الاشتراكي) حزب عربي شامل تؤسس له فروع في سائر الأقطار العربية، وهو لا يعالج السياسة القطرية إلا من وجهة نظر المصلحة العربية العليا.
المادة (2): مركز الحزب العام هو حالياً دمشق ويمكن أن ينقل إلى أية مدينة عربية أخرى إذا اقتضت ذلك المصلحة القومية.
المادة (3): حزب (البعث العربي الاشتراكي) قومي يؤمن بأن القومية حقيقة حية خالدة، وبأن الشعور القومي الواعي الذي يربط الفرد بأمته ربطاً وثيقاً هو شعور مقدس حافل بالقوى الخالقة، حافز على التضحية باعث على الشعور بالمسؤولية، عامل على توجيه إنسانية الفرد توجيهاً عملياً مجدياً، والفكرة القومية التي يدعو إليها الحزب هي إرادة الشعب العربي أن يتحرر ويتوحد وأن تعطى له فرصة تحقيق الشخصية العربية في التاريخ، وأن يتعاون مع سائر الأمم على كل ما يضمن للإنسانية سيرها القويم إلى الخير والرفاهية.
المادة (4): حزب (البعث العربي الاشتراكي) اشتراكي يؤمن بأن الاشتراكية ضرورة منبعثة من صميم القومية العربية لأنها النظام الأمثل الذي يسمح للشعب العربي بتحقيق إمكاناته وتفتح عبقريته على أكمل وجه، فيضمن للأمة العربية نمواً مطرداً في إنتاجها المعنوي والمادي وتآخياً وثيقاً بين أفرادها.
المادة (5): حزب (البعث العربي الاشتراكي) شعبي يؤمن بأن السيادة هي ملك الشعب، وأنه وحده مصدر كل سلطة وقيادة وأن قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها عن إرادة الجماهير، كما أن قدسيتها متوقفة على مدى حريتهم في اختيارها، لذلك يعتمد الحزب في أداء رسالته على الشعب ويسعى للاتصال به اتصالاً وثيقاً ويعمل على رفع مستواه العقلي والأخلاقي والاقتصادي والصحي لكي يستطيع الشعور بشخصيته وممارسة حقوقه في الحياة الفردية والقومية.
المادة (6): حزب (البعث العربي الاشتراكي) انقلابي يؤمن بأن أهدافه الرئيسية في بعث القومية وبناء الاشتراكية لا يمكن أن تتم إلا عن طريق الانقلاب والنضال.. وان الاعتماد على التطور البطيء والاكتفاء بالإصلاح الجزئي السطحي يهددان هذه الأهداف بالفشل والضياع، لذلك فهو يقرر:
– النضال ضد الاستعمار الأجنبي لتحرير الوطن العربي تحريراً مطلقاً كاملاً.
– النضال لجمع شمل العرب كلهم في دولة واحدة.
– الانقلاب على الواقع الفاسد يشمل جميع مناحي الحياة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
المادة (7): الوطن العربي هو هذه البقعة من الأرض التي تسكنها الأمة العربية والتي تمتد ما بين جبال طوروس وجبال بشتكويه وخليج البصرة والبحر العربي وجبال الحبشة والصحراء الكبرى والمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.
المادة (8): لغة الدولة الرسمية ولغة المواطنين المعترف بها في الكتابة والتعليم هي اللغة العربية.
المادة (9): راية الدولة العربية هي راية الثورة العربية التي انفجرت عام 1916 لتحرير الأمة العربية وتوحيدها.
المادة (10): العربي هو من كانت لغته العربية، وعاش في الأرض العربية أو تطلع إلى الحياة فيها، وآمن بانتسابه للأمة العربية.
المادة (11): يجلى عن الوطن العربي كل من دعا أو انضم إلى تكتل عنصري ضد العرب وكل من هاجر إلى الوطن العربي لغاية استعمارية.
المادة (12): تتمتع المرأة العربية بحقوق المواطن كلها، والحزب ناضل في رفع مستوى المرأة حتى تصبح جديرة بتمتعها بهذه الحقوق.
المادة (13): تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم والحياة الاقتصادية كي يظهر المواطنون في جميع مجالات النشاط الإنساني كفاءاتهم على وجهها الحقيقي وفي حدودها القصوى.
ولم يكن الدستور وثيقة تنظيمية معزولة، بل محاولة لصياغة المشروع القومي في صورة مبادئ دستورية يمكن أن تتحول إلى دولة ومؤسسات وسياسات عامة. أما بقية القضايا فهي مجال دائم للاجتهاد التاريخي وفق تغير الزمان والمكان. فكتاب في سبيل البعث لم يكن مجرد بيان سياسي، بل كان محاولة فلسفية لتأسيس رؤية متكاملة عن الأمة والإنسان والتاريخ. وقد تابع هذه الجهود كتابات لاحقة مثل معركة المصير الواحد ونضال الفكر القومي، إضافة إلى إسهامات مفكرين قوميين، القائد صدام حسين، الأستاذ بدرالدين مدثر، دكتور الياس فرح، الأستاذ شبلي العيسمي.
ولم تتوقف عملية الاجتهاد الفكري عند مرحلة التأسيس، بل واصلت مؤتمرات الحزب القومية، والمؤتمرات القطرية والندوات الفكرية، وعدد من المفكرين القوميين، محاولة تطوير المفاهيم بما يتلاءم مع المتغيرات العربية والدولية، وإن تفاوتت هذه الجهود في حجم تأثيرها واستمراريتها. غير أن التحديات السياسية والحروب والانقسامات العربية أسهمت في إضعاف هذا الإنتاج الفكري مقارنة بما شهدته مرحلة التأسيس.
ولعل المؤتمر القومي لحزب البعث العربي الاشتراكي، الذي انعقد عام 1974، يمثل إحدى أهم محطات الاجتهاد الفكري داخل الحزب، إذ أعاد التأكيد على أن الوحدة هدف استراتيجي، وربط المشروع القومي بمتطلبات الديمقراطية والمشاركة الشعبية، وسعى إلى تطوير الخطاب الفكري بما يتناسب مع تحديات تلك المرحلة. غير أن كثيراً من هذه الاجتهادات تعطلت لاحقاً بفعل الظروف السياسية والتحولات الإقليمية.
ويأتي المؤتمر القومي الثاني عشر ليؤكد استمرارية هذا النهج التجديدي، إذ تضمن فصلاً متكاملاً حول التطور النظري والعلمي في فكر حزب البعث العربي الاشتراكي، أعاد من خلاله قراءة المبادئ المؤسسة – الوحدة، الحرية، الاشتراكية، الديمقراطية – بوصفها مبادئ متجددة لا تتحجر في صياغاتها التاريخية، بل تتفاعل مع مستجدات العصر وتستوعب تحولات الوعي الإنساني. وهذه المقاربة تعكس وعياً منهجياً في التعامل مع المرجعية، إذ تؤكد أن ثبات المبدأ لا يعني جمود الصياغة، وأن التجديد في فهم المبادئ هو نفسه وفاء لجوهرها الانقلابي المتجدد.
وتجدر الإشارة هنا إلى حقيقة مهمة، تكشف عن عمق المنهج البعثي وقدرته الاستشرافية، وما يميز الفكر البعثي هو تنبؤه المبكر بتحولات كبرى في النظام العالمي، مثل أفول الاتحاد السوفيتي وانهيار العالم القديم. وهذه القدرة الاستشرافية ليست ضرباً من التكهّن، بل ثمرة منهج علمي جدلي يقرأ التاريخ في حركته، ويرصد تناقضاته، ويتجاوز النظرة السطحية إلى تحليل البنى العميقة.
وقد تناول المؤتمر القومي الثالث عشر العديد من هذه الحاجات وأشار إليها بوضوح، لا سيما فيما يتعلق بالتطورات الهائلة التي شهدتها البشرية مع ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. ولم يكن الحزب بعيداً عن هذه التحولات، بل استوعبها في ادبياته، وأشار إلى تداعياتها على مفهوم الدولة والمواطنة والسيادة، في إشارة مبكرة إلى ما سيصبح لاحقاً محوراً أساسياً في النقاش حول الدولة القومية في عصر العولمة.
أما فيما يخص الديمقراطية، فقد استوعب الحزب هذه القضية عبر مسيرة طويلة من المؤتمر القومي التاسع إلى القومي الثالث عشر، حيث تطور المفهوم من كونه مجرد صيغة إجرائية إلى كونه رؤية شمولية للحياة وشرطاً عضوياً لبناء الدولة الحديثة. ففي حديثه عن الديمقراطية، لم يكتفِ القائد المفكر بالقول إنها وسيلة لاختيار الممثلين، بل رفعها إلى مستوى النظرة الشمولية للحياة، مؤكداً أنها مسألة إنسانية قبل أن تكون سياسية، وأنها تتطلب ممارسة يومية في كل مفاصل الدولة والمجتمع، لا مجرد إجراءات شكلية في صناديق الاقتراع.
وهذا التطور في فهم الديمقراطية لم يكن مجرد استجابة لضغوط خارجية، بل كان نتاجاً لمنهجية الحزب الحوارية التي تعترف بأن الديمقراطية “مسألة بالغة التعقيد، وتبقى بحاجة إلى الرعاية… والتطبيق بحاجة إلى وعي خاص، وبحاجة إلى رعاية، وبحاجة إلى معاناة. فهو اعتراف بأن الممارسة الديمقراطية لا تأتي عن طريق ممر واحد، بل يجب أن تكون بممرين: الأدنى في علاقته مع الأعلى، والأعلى في علاقته مع الأدنى، وهذا يضع مسؤولية مضاعفة على جميع المستويات، ولا يختزل الديمقراطية في مطالبة الأدنى وحده.
ولعل أهم ما يميز هذه الاجتهادات هو أن الحزب ظل محافظاً على استقلاليته المنهجية في التعامل مع المتغيرات، فلا هو تبنى التطورات الفكرية الغربية تبنياً أعمى، ولا هو انغلق عليها، بل تعامل معها من موقع نقدي بنّاء، يميز بين ما يتوافق مع جوهر المشروع القومي وبين ما يتناقض معه. وهذه الاستقلالية في الفكر والمنهج هي التي مكنت الحزب من استشراف المستقبل واستيعاب التحولات، دون أن يفقد بوصلته القومية أو يتنازل عن جوهر رسالته الحضارية.
أما المؤتمر القومي الثالث عشر الذي انعقد عام 2026، فقد مثل محاولة جديدة لاستئناف عملية التجديد الفكري داخل الحزب، من خلال إعادة قراءة المرجعية في ضوء التحولات الدولية، والتأكيد على الديمقراطية والدولة المدنية والتكامل العربي المعاصر.
ومن هنا فإن البعث لم يكن نسخة من الليبرالية، ولم يكن امتداداً للماركسية، ولم يكن مشروعاً دينياً، بل حاول أن يؤسس مدرسة عربية مستقلة، تستلهم تراث الأمة، وتستجيب لواقعها، وتسعى إلى بناء مشروع نهضوي يعبر عنها.
وقد اعتمد الفكر البعثي منذ بداياته المنهج العلمي الجدلي في قراءة التاريخ، فاعتبر أن المجتمعات لا تتطور بصورة خطية، وإنما عبر صراع بين عوامل التقدم وعوامل الجمود، وأن النهضة ليست حدثاً مفاجئاً، بل عملية تاريخية مستمرة تقوم على التفاعل بين الأصالة والتجديد.
ولعل من الإنصاف أن نقول إن الفكر القومي العربي، شأنه شأن غيره من المدارس الفكرية، تأثر بالتحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة، وصعود العولمة، والثورة الرقمية، والاقتصاد المعرفي، والذكاء الاصطناعي، وتغير طبيعة الدولة والسلطة والمجتمع. وهي تحولات لم تواجهها الأدبيات القومية بالقدر الكافي من الاجتهاد، لكن حزب البعث، بنشأته الحوارية وانفتاحه المنهجي، ظل حريصاً على استيعاب المتغيرات من موقعه الاستقلالي، لا بوصفه متأثراً بها، بل بوصفه فاعلاً فيها. وتجربة الحكم الوطني في العراق مثلت أنموذجاً متقدماً من التطور في جميع مناحي الحياة، ليس في الجوانب التقنية والتكنولوجية فحسب، بل في الجوانب الفكرية والمنهجية. فبينما شهدت الثورة العلمية والتكنولوجية الهائلة التي طبقتها الدولة في العراق تقدماً نوعياً في مجالات العلوم والتكنولوجيا.
وفيما يلي مفهوم الديمقراطية لدى حزب البعث ، وكأن الفكر القومي يقف بطبيعته على الضد منها. والحقيقة أن هذا الخلط نشأ من الخلط بين التجربة السياسية وبين الفكرة. فالأنظمة التي رفعت شعارات قومية ليست هي المرجعية الفكرية ذاتها، كما أن التجارب التي رفعت شعارات ليبرالية أو اشتراكية لا تختزل الليبرالية أو الاشتراكية كلها. فالمرجعيات تُقاس بأصولها الفكرية، أما التجارب فتظل خاضعة للنقد والمراجعة، لأنها نتاج ظروف تاريخية وسياسية محددة. وقد تطور فهم حزب البعث للديمقراطية عبر الزمن، فلم تعد تطرح باعتبارها مجرد وسيلة إجرائية، بل باعتبارها شرطاً لبناء الدولة الحديثة، وضماناً لمشاركة المجتمع في صنع القرار، وآلية لتجديد المشروع القومي نفسه.
ولا يمكن لأي مشروع نهضوي معاصر أن يكتسب شرعية اجتماعية أو سياسية دون أن يجعل الديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، واحترام حقوق الإنسان، جزءاً من بنيته الفكرية، لا مجرد شعارات سياسية، لأن الدولة العربية المدنية الحديثة لا تقوم على القوة وحدها، وإنما على المشاركة والرضا الشعبي.
خاتمة: إن الدستور البعثي لم يكن مجرد وثيقة تنظيمية، بل محاولة لصياغة المشروع القومي في صورة مبادئ قابلة للتحقق. والاجتهاد المؤتمري، رغم تعثره أحياناً، ظل يمثل محاولة لتطوير المرجعية في ضوء متغيرات العصر. غير أن التحدي الأكبر يبقى في قدرة المرجعية على الإجابة عن أسئلة الحاضر والمستقبل، دون أن تفقد جوهرها، وهذا يتطلب مراجعة نقدية، وتجديداً في الأدوات، وخطاباً جديداً يخاطب الأجيال الشابة بلغة عصرها.

Leave a Reply