طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
تحميل المثالية الواقعية
ليست أخطر الكلمات تلك التي نختلف حول معناها، وإنما تلك التي نتفق على استخدامها بينما نختلف في فهمها. ومن بين هذه الكلمات تأتي كلمة الواقعية، فهي من أكثر المفاهيم تداولاً في الفكر السياسي، لكنها أيضاً من أكثرها تعرضاً للتشويه. فكثيراً ما تُستخدم الواقعية لتبرير الاستسلام، ويُقدَّم التكيف مع الأمر الواقع على أنه حكمة، بينما يُتهم كل من يتمسك بالمبدأ بأنه مثالي، أو حالم، أو لا يفهم السياسة.
وإذا كنا نقرأ هذا النص اليوم، بعد أكثر من ثمانين عاماً على كتابته في عام 1943، فإننا لا ننسى أن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق كان يكتب في خضم مرحلة تأسيسية للحركة القومية العربية، في ظل هيمنة استعمارية واضحة، ووسط أوساط سياسية عربية كانت تعاني من التشرذم والتبعية. وهذا السياق التاريخي يفسر اللهجة النقدية الحادة، والإصرار على التمييز بين النضال الحقيقي والاستسلام المقنع، ودعوته الجيل الجديد إلى التشدد في المبادئ والابتعاد عن التساهل.
لكن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، في هذا الموضوع المكثف من في سبيل البعث، ينسف هذا التقابل من جذوره، ويطرح رؤية فلسفية مغايرة، فالمثالي ليس نقيض الواقعي، بل إن الواقعي الحقيقي هو الذي يفهم الواقع لكي يغيّره، لا لكي يستسلم له. وهكذا يتحول النص من نقاش سياسي إلى سؤال فلسفي عميق: هل الواقعية هي قبول ما هو قائم، أم الإيمان بما يمكن أن يكون؟
الواقعية ليست الاستسلام: يفتتح الأستاذ أحمد ميشيل عفلق النص بعبارة تكاد تكون مفتاحاً لفهم مشروعه كله: (المثالي ليس نقيض الواقعي، لأن الواقعي ليس الذي يستسلم للواقع، بل الذي يفهمه، وقد يفهمه ليماشيه و يستغله، أو ليعلو عليه ويغيّره). هذه العبارة وحدها كافية لإعادة النظر في كثير من المفاهيم السياسية السائدة. فالواقع، في نظره، ليس قدراً نهائياً، وإنما مادة أولية للعمل الإنساني. ولهذا فإن الإنسان الواقعي لا ينحني أمام الواقع، بل يبدأ بفهم قوانينه حتى يستطيع أن يغيره. إنها رؤية تقترب من الفلسفة الجدلية، حيث لا يصبح الواقع شيئاً ثابتاً، بل عملية تاريخية قابلة للتحول. فالواقعية ليست عبادة الواقع، وإنما فهمه تمهيداً لتجاوزه.
المثالية التي تنزل إلى الأرض: لكن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق لا يقع في الطرف الآخر. فهو لا يدعو إلى مثالية منفصلة عن الحياة. ولهذا يضيف مباشرة: (وفي عرفنا يجب أن يكون – المثالي واقعياً كي يقدر على تحقيق مثله في العمل). إنه لا يريد للمبدأ أن يبقى شعاراً. ولا يريد للحلم أن يتحول إلى أمنية. فالمثال الأعلى لا يكتمل إلا إذا امتلك أدوات تحقيقه. وهنا تصبح المثالية مسؤولية، لا ترفاً فكرياً. فالذي يؤمن بالحرية مطالب بأن يعرف كيف يبنيها. والذي يؤمن بالوحدة مطالب بأن يفهم تعقيدات الواقع العربي. والذي يؤمن بالنهضة مطالب بأن ينزل إلى المجتمع، لا أن يكتفي بالتأمل فيه.
الواقعية الزائفة، فلسفة المهزومين: بعد أن يعيد تعريف الواقعية، ينتقل الأستاذ أحمد ميشيل عفلق إلى نقد ما يسميه الواقعية السائدة. ويكتب بوضوح: (ولكن الواقعية السائدة ليست سوى الاستسلام للواقع، أما بعامل الخوف والجبن، وإما بباعث النفعية والاستغلال، والأصح أن تسمى هذه الفئة بفئة المستسلمين والمنتفعين). وهنا يكمن قلب النص. فهو لا يناقش فكرة مجردة، وإنما يحاكم نمطاً من التفكير السياسي. إنه يرفض الواقعية التي تجعل الخوف حكمة. وتجعل الانتهازية سياسة. وتجعل قبول الظلم فهماً للواقع. إنها ليست واقعية، بل هزيمة عقلية. فالذي يبرر الفساد لأنه موجود، لا يصف الواقع، بل يشارك في استمراره.
لماذا يفشل السياسيون؟: يقدم الأستاذ أحمد ميشيل عفلق بعد ذلك تفسيراً عميقاً لفشل كثير من العاملين في الشأن العام. فهم – كما يقول – دخلوا الحياة السياسية دون أن يتصوروا القضية القومية تصوراً كاملاً. فضاعوا في الجزئيات، وعجزوا عن خدمة القضية، ثم وجدوا لأنفسهم مبررات لهذا العجز. إنها ملاحظة تتجاوز زمنه. فكم من مشروع سياسي بدأ كبيراً، ثم ضاع لأنه انشغل بإدارة التفاصيل، ونسي الغاية التي من أجلها بدأ. فالذي يفقد الرؤية الكلية، يصبح أسيراً للوقائع اليومية.
الجيل الذي لم يصل بعد: ورغم هذا النقد، لا يفقد الأستاذ أحمد ميشيل عفلق إيمانه بالمستقبل. بل يشير إلى جيل جديد. جيل أخطأ السياسيون في حقه. جيل لم يتسلم السلطة بعد. وجاءت عبارته ذات الدلالة: (وهذا الجيل لا يزال في دور النشوء والتهيؤ، لم يتسلم سلطة، ولم يصل بعد إلى مرحلة التحقيق). إنه لا يبحث عن بطل فرد. بل يؤمن بتكوين تاريخي جديد. فالنهضة ليست قراراً سياسياً، وإنما تربية جيل كامل على رؤية جديدة للعالم.
النضال ليس تشدداً، بل أمانة للمبدأ: ويصل النص إلى ذروته حين يعرف النضال. فيقول: (والنضال يسمح له، بل يشترط عليه أن يكون متشدداً في مطالبه، دقيقاً في المحافظة على مبادئه، مبتعداً عن كل تساهل تقضي به السياسة ويبرره استعجال النجاح). إنها واحدة من أكثر العبارات جرأة في الفكر السياسي العربي. فالنجاح، عند كثيرين، يبرر التنازل. أما عند الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، فإن النجاح الذي يقوم على التفريط بالمبدأ ليس نجاحاً. لأن السياسة ليست مجرد فن الوصول إلى السلطة. بل فن المحافظة على الرسالة أثناء الطريق إليها.
قراءة معاصرة: هل ما زلنا نخلط بين الواقعية والاستسلام؟: بعد أكثر من ثمانين عاماً على كتابة هذا النص، تبدو أسئلته أكثر إلحاحاً. فالوطن العربي اليوم يعيش مفارقة مشابهة. كل دعوة للإصلاح تُتهم بالمثالية. وكل تمسك بالمبدأ يوصف بعدم الواقعية. وفي المقابل، يُقدَّم الاستسلام للأزمات باعتباره حكمة سياسية. لكن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق يذكرنا بأن الواقعية التي تفقد قدرتها على الحلم تتحول إلى إدارة للأزمة، لا إلى صناعة للمستقبل. فالسياسي الذي لا يرى إلا الممكن، قد ينجح في إدارة يومه. أما رجل النهضة، فإنه يرى الممكن الذي لم يولد بعد، ثم يعمل على تحويله إلى واقع.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل مفهوم المثالية الواقعية كما صاغه الأستاذ أحمد ميشيل عفلق لا يزال صالحاً لمواجهة تعقيدات العالم المعاصر؟ أم أنه يحتاج إلى تطوير وتجديد؟ فالعالم اليوم يختلف عن عالم 1943 في جوانب كثيرة: العولمة، الثورة الرقمية، الذكاء الاصطناعي، تغير طبيعة الدولة والسيادة، صعود الفاعلين من غير الدول. وهذه التحولات تطرح تحديات جديدة على أي مشروع نهضوي، وتتطلب أدوات جديدة للفهم والتغيير. ومع ذلك، تبقى القيمة الجوهرية لمفهوم المثالية الواقعية في رفضه للثنائية المزيفة بين المبدأ والواقع، وفي تأكيده على أن الفهم العميق للواقع هو شرط لتغييره، وفي إصراره على أن النضال لا يبرر التفريط بالمبادئ. وهذه المبادئ، رغم تغير الزمان، تظل صالحة لكل زمان، لأنها تتعلق بجوهر العلاقة بين الإنسان والتاريخ، وبين الفكرة والفعل، وبين الحلم والواقع.
خاتمة: لا يدعو الأستاذ أحمد ميشيل عفلق في هذا النص إلى المثالية المجردة، كما لا يدعو إلى الواقعية الانتهازية.
إنه يدعو إلى تركيب جديد، يمكن تسميته المثالية الواقعية، حيث يصبح المبدأ هو البوصلة، ويصبح الواقع هو ميدان العمل. فالإنسان الذي يفقد مثله العليا يتحول إلى تابع للواقع. والإنسان الذي يعيش في المثال دون أن يلامس الحياة يتحول إلى حالم معزول. أما النهضة، فلا يصنعها هذا ولا ذاك. إنما يصنعها الإنسان الذي يفهم الواقع بعمق، ويؤمن بالمبدأ بإخلاص، ويملك الشجاعة ليجعل من الحلم مشروعاً، ومن الفكرة عملاً، ومن التاريخ مستقبلاً. ولعل هذه هي الرسالة الأعمق لهذا النص: أن التاريخ لم يتغير يوماً على أيدي الذين استسلموا للواقع، بل على أيدي أولئك الذين امتلكوا من الواقعية ما يكفي لفهمه، ومن المثالية ما يكفي لتغييره.
لان الاستسلام للواقع ليس واقعية، بل هزيمة. وإن الإيمان بالممكن ليس حلماً، بل بداية طريق. فمن الوعي ما يرفض الطرق الجاهزة التي خطها الواقع، ويرى في قبولها استسلاماً وعجزاً. ومن الإرادة ما يشق طريقاً جديداً خاصاً، يكون تفاعلاً نضالياً وإبداعاً عملياً نوعياً، ممتداً من الفكرة إلى الفعل، ومن التأمل إلى التغيير.

Leave a Reply