مشروع قومي نهضوي الأمّة العَربيّة..

صحيفة الهدف

أمةٌ أضاعَتها الخِلافات وتَنتَظِرُها النَهْضَة

علي المشهداني

قال تعالى، بسم الله الرحمن الرحين:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾

صدق الله العظيم

ليست القومية العربية حزبًا، ولا نظامًا سياسيًا، ولا شعارًا يُرفع في ساحات الخطابة، بل هي هويةٌ امة صنعها التاريخ، وصقلتها اللغة، ووحّدتها الجغرافيا، والثقافة والقيم، وأغنتها حضارة امتدت قرونًا، حتى أصبحت العربية لسان العلم، ومنارة الفكر، وجسرًا عبرت عليه الإنسانية نحو كثير من معارفها.

لقد عرف العرب عبر تاريخهم أن قوتهم كانت في اجتماعهم، وأن ضعفهم يبدأ حين تتغلب العصبيات على الانتماء الكبير. ففي كل مرحلةٍ اتحدت فيها كلمتهم، ارتفع شأنهم، واتسعت دولتهم، وازدهرت حضارتهم. وحين دبّ الخلاف بينهم، تسللت القوى الخارجية إلى ديارهم، فلم يكن العدو يومًا أقوى منهم بقدر ما كانوا هم أضعف بسبب انقسامهم.

وفي العصر الحديث، ولدت القومية العربية من رحم مقاومة الاستعمار، ومن حلم بناء أمة موحدة تمتلك قرارها وثرواتها ومستقبلها. ووجدت الفكرة صدىً

واسعًا لأنها خاطبت وجدان أبناء الأمة، لا مصالح الحكام. وكان الأمل أن تتحول الحدود إلى جسور، والثروات إلى مشاريع مشتركة، والعقول العربية إلى مصانع للعلم والإبداع.

لكن المشروع تعثر عندما تحولت الخلافات السياسية إلى خصومات وجودية، وغلبت المصالح الضيقة على المصلحة العليا، وأصبحت السلطة هدفًا بدل أن تكون وسيلة لخدمة الأمة. ثم جاءت التحديات الأمنية  والعسكرية، والصراعات الأيديولوجية، والطائفية، والإثنية، والتدخلات الخارجية، فازدادت الجراح عمقًا، حتى أصبح العربي يخشى أخاه العربي أكثر مما يخشى خصوم أمته.

واليوم، وبينما تتكتل الأمم في اتحادات اقتصادية وعلمية وسياسية، ما زال الوطن العربي يستهلك طاقاته في صراعات تستنزف الإنسان والثروة والوقت. فتجد الأقطار العربية دولٌ مزقتها الح.روب، وأخرى أثقلها الفساد، وثالثة أنهكها الاستقطاب، حتى غدت الحدود النفسية أشد قسوةً من الحدود الجغرافية.

ومع ذلك، فإن موت أو تعثر بعض التجارب لا يعني موت الفكرة. فالقومية العربية التي تجسدها وحدة الأمة ليست دعوةً لإلغاء سيادة الدول، ولا لإذابة خصوصيات أبنائها، وإنما هي وعيٌ بأن ما يجمع العرب أكبر مما يفرقهم، وأن الأمن القومي العربي واحد، والاقتصاد العربي قادر على التكامل، والعِلم العربي قادر على المنافسة إذا توفرت له الإرادة.

إن نهضة الأمة العربية لن تبدأ بخطاب حماسي، بل تبدأ بإصلاح الإنسان قبل إصلاح الأنظمة، وببناء دولة العدالة، وترسيخ القانون، ومحاربة الفساد، وإطلاق ثورة في التعليم والبحث العلمي، وتحويل الثروات إلى صناعةٍ ومعرفة، وإحياء كل مكامن التكامل العربي بدءًا بالسوق العربية المشتركة، وتسهيل انتقال الخبرات ورؤوس الأموال، واحترام سيادة كل دولة، مع بناء شراكات حقيقية تحفظ المصالح المشتركة.

كما أن أخطر ما يواجه الأمة اليوم ليس اختلاف الآراء، بل تحويل الاختلاف إلى عداوة، والتنوع إلى انقسام، والمذهب والقومية والعرق إلى أدوات صراع. فالأمم العظيمة لا تلغي اختلافاتها، بل تجعلها مصدرًا للقوة والإثراء والإبداع.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تسقط عندما تُهزم في معركة، وإنما تسقط عندما تفقد إيمانها بنفسها. والعرب لم تنقصهم الهوية ولا الثروات، ولا العقول، ولا الموقع الجغرافي، وإنما ينقصهم مشروع يجمع الإرادة، ويقدم مصلحة الأمة على الحسابات الضيقة.

إن القومية العربية ليست حنينًا إلى ماضٍ نتغنى به، بل مسؤولية تجاه مستقبلٍ نصنعه. فإذا أردنا أن نستعيد مكانتنا بين الأمم، فعلينا أن ننتقل من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج، ومن الانفعال إلى التخطيط، ومن الخصومة إلى الشراكة، ومن تمجيد الماضي إلى صناعة المستقبل.

فالأمم لا يكتب التاريخ نهضتها من تلقاء نفسه مرتين، لكنها قد تكتب مستقبلها ألف مرة إذا امتلكت الإرادة. وما زال للعرب من اللغة ما يوحدهم، ومن الإيمان ما يهذبهم، ومن التاريخ ما يعلمهم، ومن الثروات ما يغنيهم، ومن الشباب ما ينهض بهم… فإذا اجتمعت الإرادة، عادت الأمة العربية مشروع نهضة، لا ذكرى تُروى.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.