الأستاذ محمد إبراهيم “فطيرة” و«الكتابة تحت الأنقاض»… حين يهدم النصُّ نفسه قبل أن يهدم الملف الثقافي

صحيفة الهدف

 يوسف الغوث

إن أزمة الأستاذ محمد إبراهيم فطيرة ليست في طرحه أو جرأته، بل في افتقاره إلى جرأة تفكيك ذاته أولاً. فالكاتب يكتب من منطلق الناقد الذي يمتلك الحقيقة الثقافية، ثم يحاول انتقاد موقع القوة (المؤسسة)، متناسياً أن فعل النشر ذاته هو النص الموازي الذي يكذّب ادعاءه.

إن المائة التالية من الملف الثقافي لا تحتاج إلى ميثاق تحريري مثالي كما يقترح، فهذا ليس سوى وهم ديكارتي يبحث عن يقينيات غير موجودة في زمن اللامعيارية. وهذا الأمر يحتاج إلى إدراك أن التعدد الحقيقي لا يعني غياب السياسي، بل يعني حضور سياسات متعددة ومتنافسة في آنٍ واحد.

إن الكاتب يبحث عن ثقافة نقية لا تخالطها السياسة، لكنه ينسى، أو يتناسى، أننا في زمن الكتابة تحت أنقاض الحرب، وأن الكتابة لا بد أن تكون مرتبطة بخيارات البقاء وبمواقف الحياة. وهذا الواقع هو ما يمنح الكتابة قيمتها الواقعية، ويفضح أي نقد يحاول تخليصها من هذا الواقع باسم النقاء الأكاديمي الزائف.

يعتمد النص على بناء سلسلة من الثنائيات الأخلاقية والمعرفية الصارمة، مثل: الجموع/القالب الأحادي، والفضاء الحر/المنفذ المغلق، والعدالة الانتقالية/الأيديولوجيا الضيقة، والهامش المتمرد/المركز المسيطر.

ووفقاً للمنهج التفكيكي، يمكن القول إن هذه الثنائيات ليست متعاكسة بقدر ما هي متضمنة في بعضها. فحين يصف الكاتب المائة عدد الأولى بأنها “حركة جموع” ومتشعبة الأصوات، ثم ينتقل إلى اتهامها بأنها أداة للتبشير، فإنه يفكك بنيته الخاصة من حيث يدري أو لا يدري، بوعي أو بغير وعي؛ لأنه يحكم على الملف بأنه أحادي انطلاقاً من ذائقته هو، محولاً تعددية القراءات إلى قراءة واحدة، هي قراءته النقدية. وذلك هو العجب العجاب.

والأمر الذي يدعو إلى “الاستغراب” والحيرة هو مطالبة الكاتب بميثاق تحريري، وهو في جوهره محاولة لفرض قالب أحادي جديد، أي قالب النقد المنهجي الذي يرتضيه هو، على فضاء كان ــ باعترافه نفسه ــ مفتوحاً على التناقضات. وكأن نصه يعاني مما يسميه جاك دريدا “عنف المركزية”، أعني أن يظل الكاتب هو المركز الذي يحدد ماهية الثقافي النقي، وما عداه مجرد أدلجة.

أما بالنسبة إلى التناقض البراغماتي في نص أستاذنا محمد إبراهيم، فيبدو واضحاً وجلياً للمتابع والعارف بتقنياته واستخداماته. فالمنهج البراغماتي، أو نظرية فعل الكلام، يؤشر إلى أن المعنى لا يكمن في الجمل وحدها، بل في الفعل الذي تؤديه الجملة في الواقع، وهنا يكمن التناقض البراغماتي الأكبر في نصه.

يقول الأستاذ فطيرة إن الملف يمارس الرقابة، ويحتكر الخطاب، وينتج جمهوراً مطيعاً. وهذا غير صحيح؛ لأن الفعل الإنجازي يثبت العكس تماماً، إذ نُشر النص في توقيت الذروة، أي في العدد المائة، دون حذف حرف واحد أو تعديل.

وفي فلسفة جون أوستن، فإن الأفعال الكلامية التي تفشل في التطابق مع الواقع تعد أفعالاً غير سعيدة. فعندما يكتب كاتب مقالة اتهامية تحت سقف المؤسسة التي يتهمها، ويُمنح حق النشر كاملاً، فإن فعل النشر نفسه يُبطل منطق الاتهام برمته.

إن اتهام الملف بأنه لا يتحمل المختلف، بينما الملف يتحمل هذا الاتهام ذاته، هو انهيار براغماتي محض؛ لأن وسيلة الإثبات، وهي منع النشر، غائبة، بينما حضرت وسيلة النفي، وهي النشر. وهنا لا يعود النقد موضوعياً، بل يصبح أداءً متناقضاً مع نفسه.

ويطرح ميشيل فوكو سؤالاً جوهرياً: من يتكلم؟ ومن يُصرح له بالتحدث؟

يحاول محمد إبراهيم أن يتبنى موقع المفكر النقدي، لكنه في الحقيقة يمارس سلطة معرفية واضحة تتمثل في احتكار تعريف الثقافي. ثم يستشهد بأدباء المغرب العربي، مثل محمد زفزاف والطاهر بن جلون، بوصفهم نماذج لم تخضع لإملاءات الأحزاب، متناسياً أن هؤلاء الكتّاب أنفسهم كانوا جزءاً من صراعات سياسية عنيفة في سياقاتهم، وأن أعمالهم كانت محكومةسياسات النشر والرقابة في بلدانهم.

إن هذا الاستشهاد ليس بريئاً، بل هو بناء لسلطة مرجعية يفرضها على الملف الثقافي، وكأن من لا يسير على نهجه يقع خارج دائرة الشرعية الثقافية.

إن فرضية النقاء الجمالي الوهمية، التي تطالب بالفصل التام بين السياسي والثقافي، تتجاهل أن كل خطاب ثقافي محكوم بعلاقات القوة داخل سياقه التاريخي والاجتماعي.

وفي زمن الحرب والركام، تكون الثقافة منحازة للحياة وللإنسان، أو تصبح بلا أثر. وما يسميه فطيرة أدلجة ليس سوى تداخل ضروري بين الأنساق، وهو تداخل يعترف به هو نفسه حين يصف الملف بأنه شكل من أشكال المقاومة الحيوية.

فإذا كان الأستاذ محمد يريد ثقافة مقاومة بلا مرجعيات، فإنه يطالب بطوباوية لا وجود لها في الواقع.

ونحن أمام نص يزعم أنه نقدي، لكنه يرتكب أخطاء منطقية صريحة. فهو يقع في مغالطة التعميم المتسرع؛ إذ يستند إلى عدد من المقالات ذات الطابع السياسي المباشر، ثم يعمم حكمه على الملف الثقافي كله، من دون حصر إحصائي أو تحليل نموذجي، ليستنتج أنه تحول إلى أداة أيديولوجية. وهو استقراء من جزئيات غير محددة إلى كليات عامة، وهي مغالطة منطقية معروفة.

كما يقع في مغالطة التوسل بالعاطفة عبر استخدام لغة شاعرية مكثفة، مثل: “الكتابة تتنفس تحت الأنقاض”، و”الفضاءات المختنقة”… وغيرها، ليخلق حالة وجدانية تمنح نقده شرعية أخلاقية مسبقة، من غير أن يخضع هذه اللغة نفسها للنقد.

ويدعو فطيرة الملف الثقافي إلى أن يكون سلطة مضادة، لكنه في الوقت نفسه ينتقده لأنه يتبنى مواقف مضادة للحرب وخطابات الكراهية.

إن الانحياز للجمالي والإنساني في مواجهة خطاب “ديل ما بيشبهونا” هو في ذاته موقف سياسي مضاد. فلماذا يصبح هذا الانحياز مشروعاً حين يمارسه هو، ويغدو أدلجة حين يمارسه الملف؟

إن الديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بغياب النقد، بل بقدرة المؤسسة على استيعاب النقد الموجه إلى كيانها.

وحين تنشر الهدف، الناطقة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، مقالاً يتهم ملفها الثقافي بالأدلجة، فإنها لا تمارس تسامحاً سطحياً، وإنما تقدم دليلاً عملياً على أن المؤسسات القادرة على نشر النقد الموجه إليها هي المؤسسات الأبعد عن ادعاء العصمة، والأقرب إلى فضيلة مراجعة الذات.

ودمتم.

#نقد_ثقافي #محمد_إبراهيم_فطيرة #يوسف_الغوث #فلسفة_النص #أدب_وفكر

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.