قرشي الطيب
في ظهيرات القرية، حين كانت الشمس تُعلِّق جمرها فوق أسطح الزنك وتترك التراب يغلي كقدرٍ من الغضب، كان العُصّار يظهر فجأةً من قلب الساحة، كأن الأرض نفسها قررت أن تنهض واقفةً على قدمٍ من غبار.
لم يكن أحد يعرف من أين يأتي.
فجأةً فقط، تبدأ حفنةُ ترابٍ بالارتجاف، ثم تدور، ثم ترتفع كروحٍ انفلتت من باطن الأرض، حاملةً معها قشور البصل، وأوراق الكراريس، وريش الدجاج، وأسرار النساء التي سقطت من أفواههن عند الآبار.
وكان الأطفال يركضون خلفه وهم يصرخون:
العُصّار !.. العُصّار.. !
أما العجائز، فكنّ يضعن أطراف الثياب على وجوههن ويتمتمْن: استغفر الله هوي يا أولاد دا جنون ساكت.
جدتي فاطمة كانت تؤمن أن لكل ريحٍ روحاً.
وحين كانت تسمع صفير العُصّار قرب البيوت، تغلق الباب الخشبي وتقول: الهبوب البتلف كتير يا ولدي يا إمّا طاشة، يا إمّا بتفتش على زول تأخده.
في ذلك اليوم، أرسلتني بعد صلاة العصر إلى “بت المنا” .
وضعت في يدي كوباً كبيراً من الصفيح، نصفه سكر ونصفه بنّ حبشي في كيس صغير تفوح منه رائحةٌ تشبه رائحة المطر إذا سقط على ترابٍ عطشان.
– قالت لي: قول ليها: حبوبتي جاياك تشرب معاك القهوة.
خرجتُ بالكوب أتحسس دفئه بين كفيّ، بينما كانت القرية تتمدد تحت الحر كسلحفاةٍ عجوز. المدرسة العتيقة صامتة. ورواكيب الحدادين تتنفس دخاناً أسود. والحمير مربوطة تحت ظلالٍ قصيرةٍ كأن الشمس قصّتها بالمقص.
ثم ظهر العُصّار.
خرج هذه المرة من خلف المدرسة القديمة، طويلًا بصورةٍ مخيفة، حتى بدا كعمودٍ يحمل السماء على كتفيه. كان يدور بعنفٍ وهو يبتلع التراب والحصى وأكياس النايلون الفارغة. وركض الأطفال نحوه كأنهم يعرفونه.
كان ابن خالتي “ود الريح” يحمل قبضةً من الشطة الحمراء مخلوطةً بالملح.
قال وهو يلهث: اللي يكشح الشطة في وش العُصّار بشوف الشيطان الحقيقي جواه.
ضحكنا. لكننا صدقناه.
في القرى، الأشياء المخيفة دائماً تُقال وهي تضحك.
ركضنا خلف العُصّار. وكان هو يبتعد قليلاً ثم ينتظرنا، كأنه يلهو معنا.
كلما اقتربنا، كان يعلو أكثر. وكلما تعبنا، كان يخفّف دورانه قليلاً، مثل صيادٍ يترك لفريسته أملاً صغيراً في النجاة.ثم فجأةً، دخلنا جميعاً في قلبه.
العالم صار يدور. التراب صعد إلى السماء. والسماء نزلت حتى لامست وجوهنا.
صرخ ود الريح: هسع! اكشح!
قذفنا الشطة والملح دفعةً واحدة.
لكن العُصّار استدار فجأةً كأنه كان يرى.
فعادت الشطة إلى وجوهنا.
دخلت النار في عينيّ.
صرختُ. وسقط كوب السكر والبنّ. وانفجر فوق التراب كقلبٍ أبيض.
أصبحنا نركض عمياناً، نبكي ونضحك في الوقت نفسه، بينما العُصّار يبتعد عنا مزهواً، كشيطانٍ انتصر في معركةٍ صغيرة.
وحين فتحتُ عيني أخيراً، رأيت جدتي واقفةً عند باب البيت.
لم تضربني.
حدقت فقط في السكر المبعثر على التراب، ثم قالت بصوتٍ خافت: الشياطين الحقيقية ما بتسكن وسط هبوب الريح يا وليدي.
وفي المساء، سقطت الطائرة.
كانت طائرةً صغيرة ترش المبيدات فوق مشروع الجزيرة. سمعنا صوتها أولاً يشبه نحاساً يُسحق في السماء، ثم رأيناها تهوي خلف الحقول كطائرٍ أُصيب برصاصةٍ في جناحه.
ركضت القرية كلها نحو الدخان.
وحين وصلنا، وجدنا الطائرة مغروسةً في الأرض حتى نصفها، بينما كان الطيار الأبيض واقفاً بجانبها بهدوءٍ غريب، ينفض الغبار عن قميصه.
كان شديد البياض، شعره أشقرَ جداً. ووجهه فيه بقع حمراء مثل رئة خروف نفخت بعد ذبحه للتو، نظراته تلمع من عينين زرقاوين بلون الترع في الشتاء.
وقف يدخن سيجارةً طويلة كأن شيئاً لم يحدث.تجمهرنا حوله.
ولأول مرة في حياتي رأيتُ رجلاً لا يبدو خائفاً من الموت.
همس طفلٌ خلفي: دا ذاتو شيطان العُصّار.
ضحك الأطفال. لكن أحداً لم يغادر.
كان الطيار ينظر إلينا بحيرة، بينما كنّا نحن ننظر إليه كما لو أنه خرج لتوّه من حكايات الجدّات.
وفجأةً، هبّت ريحٌ ساخنة.
تحرك الغبار حول أقدامنا ببطء.
ثم بدأ يدور.دارت حفنة التراب أولاً.
ثم ارتفعت.
ثم تكوّن العُصّار من جديد، هذه المرة قرب الطائرة المحطمة مباشرة.
ساد الصمت.حتى الطيار نفسه أطفأ سيجارته.
كان العُصّار يدور حول الطائرة ككلبٍ يحرس جثة سيده. ثم تمدد فجأةً نحو السماء حتى بدا كأنه يريد ابتلاع الغروب كله.
وفي تلك اللحظة، أقسمتُ أنني رأيت شيئاً داخل الغبار.
لم يكن شيطاناً بقرنين كما تخيلنا دائماً.
كان وجوهاً.
وجوه رجالٍ بملابس عسكرية. وجوه حكامٍ يبتسمون في التلفاز بينما المدارس تسقط. وجوه خطباء يعدون الأطفال بالمستقبل ثم يتركونهم يطاردون الأوهام في الطرقات.
ورأيتُ مدارسنا الخربة. والملاعب التي صارت ثكنات. والدفاتر التي تحولت إلى أكياس سكر.
ثم انطفأ كل شيء.
انهار العُصّار دفعةً واحدة.
وسقط الغبار على القرية بهدوءٍ يشبه التعب.
في تلك الليلة، لم أنم.
ظللت أفكر في كلام جدتي: “الشياطين الحقيقية ما بتسكن وسط هبوب الريح يا وليدي”.
وبعد سنوات طويلة، حين كبرتُ، وعرفتُ كيف يمكن لبلدٍ كامل أن يعيش داخل دوامةٍ لا تنتهي، فهمتُ أخيراً لماذا كان العُصّار يظهر دائماً قرب المدارس والحقول والبيوت الفقيرة.
لم يكن يبحث عن الأطفال.
كان يبحث عن وطنٍ ضلَّ طريقه.

Leave a Reply