ركوب الرأس.. أزمة السياسة السودانية

صحيفة الهدف

✍🏽خالد ضياء الدين

السودان في حاجة إلى جسور لا متاريس..

يمكن أن نختلف في السياسة ونتصارع على البرامج والمواقف والأهداف.. عادي.

غير عادي أننا نحول الخلاف إلى قطيعة دائمة، كأنه أي اختلاف نهايته طريق مسدود، مش بداية لحوار يحل المشكلة.

مشكلتنا الكبرى في سياسة الحردان، وتاني لا بيني لا بينك، وحرم كان بقيت قبلة ما أصلي عليها، وكتير من المقولات المتوارثة عندنا، التي خلفت ما اصطلح على تسميته: ركوب الراس.. كأنما الرجوع للحق عيب مش فضيلة.

   دي طريقة ما مفيدة وغير مقبولة أبدًا، لأنها بتقفل كل الأبواب أمام الرجعة، وإعادة تقييم الحالة، لإعادة المياه لمجاريها.

نحن السودانيين عندنا القنع، لمن يحصل تاني ما بعده عودة، ودا انعكس حتى عند كثير من المثقفين والسياسيين والفنانين.. قطيعة بين الفنان فلان والشاعر، الشاعر منع الفنان يغني كلماته، حزب السلطة قمع أحزاب المعارضة، أفراد من الجيش عملوا انقلاب حلو الأحزاب، الأحزاب أسقطت الانقلاب شالت وختت في الجيش، وهلم جرا.

ليه عندنا حتى الطلاق بالثلاثة من أول مرة؟!

لسانا ليه جاري ورا النهايات مهما كانت كارثيتها.

شوف، في السياسة ما مفروض تتقفل كل الأبواب حتى مع العدو الخارجي خليك من البعارضك من أبناء وطنك، قصة ما بقعد معاهم لي يوم القيامة دا كلام ما صحيح.

شوف مثلًا أمريكا وإيران، خاتنه قرض، قصف، وقت.ل للقيادات، وهدم للبنية التحتية، ولسه باب الدبلوماسية ما اتقفل، والوساطات رايحة جاية.

كيان الاحتلال هدم غزة، وق.تل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وما تزال الاعتداءات مستمرة، والحوار لوقف الح.رب شغال، وفد فلسطيني وآخر صه-يوني يتقابلوا في شرم الشيخ ويتم الاتفاق على وعلى، روسيا وأوكرانيا رغم الح.رب الطاحنة والقصف والمسيرات اتبادلوا الأسرى أكتر من مرة، وما انقطعت الوساطات.

الهند وباكستان ديل كمان ح.روبهم طويلة، والاشتباكات الحدودية بيناتهم ما وقفت، ظل بيناتهم تواصل ووسطاء، خليك من ديل كلهم، في صراع الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أيام الح.رب الباردة والتهديدات بالح.رب النووية، ما انقطعت بيناتهم شعرة معاوية، وكانت القنوات المفتوحة بيناتهم وهي دي المنعت المواجهة النووية، وبذلك اتجنبوا الكارثة.

عليه مفترض نفهم إنه أشد الخصومات وأكثرها عنف ما ألغت الحوار، طيب نحن مالنا؟!

نحن بمنتهى البساطة بنقطع أي وسيلة للحوار، وبنقيف ترس وعلم أحمر قدام أي خطوة تبارك الالتقاء، مع إنو كنا معروفين زمان بنفك الرقبة وبندفع الدية في قعدات تحت ضل شجرة، بقعدها الكبار، يا ترى ما عاد في البلد كبار تحترم كلمتهم أو يتقدموا الصفوف لتقريب البعيد.

ترانا لينا أكتر من 4 سنين ح.رب، ولو جبت سيرة الناس تقعد عشان تحل المشكلة، يعدوك خائن ويحسبوك جبان.

شوف كيف اختلفنا مع إثيوبيا، فقطعت أي وسيلة تواصل، وأهو النتيجة سد النهضة بقفل وبفتح بدون تنسيق بين الحكومتين، لدرجة نهر النيل أصبح عبارة عن خور وبرك متقطعة، وما في ود حلال قادر يقنع الإدارتين إنو الح.رب براها والموية براها، طالما إثيوبيا ما أعلنت ح.رب المياه، محتاجين ما نقطع الاتصال بين لجان الدولتين، وخلي حربتنا في محلها، لحدي ما نقعد تاني نشوف الحل شنو، ونحن أصلًا شايلنها مع بعض لشنو، ومصلحتنا ومصلحتهم وين.

قيادة الجيش تتهم الأحزاب، والأحزاب تتهم قيادة الجيش، ولجان المقاومة شوية مع دول وشوية مع دول، وفيهم الصابر على مسك جمر القضية، وزادت الفجوة، والآن في من يشوفوا العمى ولا يشوفوا بعض، خليك من يلتقوا وينسقوا.

الحاصل شنو؟ وليه ركوب الراس؟

ليه بنقطع عرق ونسيح دم في قضايا السياسة، ونقفل الأبواب، ونجدع مفاتيحها في البحر؟ ليه ما قاعدين نخلي بيناتنا لا طاقة ولا نفاج تواصل؟

عقلية الخصام والفجور دي ما بتوصلنا لحل، وقصة لازم تجيني في حتتي وتتفق معاي، كراعك فوق رقبتك، ما عادت بتجدي، ودي أخطر عقلية للسياسيين والحكام، عسكريين أو مدنيين.

كلمات زي العايز الحكم يهز ضراعه ويقابلنا في الشارع، وما بنسلمها إلا لي عيسى، وألحس كوعك، والزارعنا غير الله يجي يقلعنا، وتاني مابتجو راجعين، كلها كلمات منفرة، بغيضة، بتدل على صلف وعنجهية ما بتؤمن بالآخر، وبتقفل أي احتمال للالتقاء أو الحوار(الدنيا دوارة باكر بتنقلب عليك وبتفتش لسكة حوار ومابتلقاها).

عدم الرغبة في التواصل، ورفض الحوار، نتيجتها الاصطدام، ولو إنت اليوم قوي، باكر بتضعف، وغيرك بكون في نفس مكانك، وبعاملك بنفس الطريقة، وهكذا كل ما الواحد يدخل باب بسده وراه، وباب ورا باب، ومفتاح ورا مفتاح، لحدي ما تستحيل العودة.

   في السياسة ما تحرق كل مراكبك، باكر بتحتاج ترجع، وما تسوكر أضانك وعقلك عشان ما تتحول لأخرص وأبكم من كتر السكات، كدا بتبقى تجم، اتجاه واحد، وبتكتشف بعد فوات الأوان إنك كنت غلط، لكن بعد ما رأسك يصطدم بصخرة عنادك.

  كلنا بنحتاج نطلع من مرارات الخيانة والردة، ونتسامى فوق جراحنا، ودي ما دعوة لعدم محاسبة من أجرم، بالعكس، عشان جرح البلد يطيب لازم يتنظف ويعترف كل بجرمه أو يقدم للعدالة، يتنظف مش نتشفى ونحن بننظفه، دا معلوم ومطلوب. بنحتاج نشوف نفسنا اتأخرنا ليه عشان نتجاوز إخفاقاتنا وتتقدم البلد، اتفاوضنا مع المختلفين معانا عشان نتفق، ما ضروري نقتنع بفكرة واحدة، الضروري نتفق على مصلحة الشعب ومصير البلد.

  ما فينا زول عنده شهادة بحث السودان ورثها من جدوده، وما في أي جهة عندها سلطة إلهية أو سياسية بتديها حق الانفراد بالحكم، وما في طريقة نطلع من عنق الزجاجة دي إلا بتوسيع رئة التنفس، وقبول الآخر، وقبول الحوار بين الفرقاء، وقصة لا بيني لا بينك دي تقولها لو إنت في بيتك، لكن طالما إنت في سياسة وحكم وسلطة، ما من حق أي جهة تخت حاجز بين تمثيل أي جهة أو تمنعها من المشاركة في الحكم، في كل مراحله، من إبداء الرأي حتى البرلمان وقيادة البلد بالانتخاب.

نحن محتاجين في الأول نقبل نشوف بعض في مكان واحد، وتاني محتاجين نسلم على بعض مهما كانت الخلافات، ومحتاجين مكان يلمنا ورغبة جادة في تجاوز أخطاءنا وقبولنا بالتداول السلمي للسلطة، البجيبو الشعب نقول ليه اتفضل، والما بفوز نقول ليه هاردلك المرة الجاية، ولو اختلفنا، ودي سنة الحياة، ما مفترض تنتهي حالة الود والاحترام بيناتنا، ولافي واحديرفع صوته خليك من يرفع بندقية… ولا شن قولكم؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.