مئوية الملف الثقافي… حين تنتصر الكلمة على العتمة

صحيفة الهدف

د. أشرف مبارك

حين يقترب الملف الثقافي لصحيفة الهدف من بلوغ عدده المائة، فإننا لا نقف أمام رقم فقط، بل أمام تجربة ثقافية ناضجة تستحق الاحتفاء والتأمل. فالمئوية هنا ليست مجرد محطة زمنية في مسار النشر، بل شهادة حية على صمود مشروع آمن بالكلمة في زمن تراجعت فيه المنابر الثقافية، وانحسر فيه حضور الصفحات الأدبية والفكرية في الصحافة السودانية إلى حد يكاد يلامس الغياب.

لقد استطاع هذا الملف، منذ انطلاقته، أن يصنع لنفسه مكاناً متفرداً في المشهد الثقافي السوداني والعربي. وُلد عملاقاً، لا بضجيج البدايات، بل بوضوح الرؤية، وجدية المشروع، وانحيازه الصادق للثقافة بوصفها فعلاً للوعي، وحفظاً للذاكرة.

في زمن الـح.رب، حيث يصبح الخراب لغة يومية، اختار الملف الثقافي أن يكون لغة تحفظ المعنى من التلاشي. لم يكتفِ برصد الواقع، بل انحاز إلى الإنسان، إلى الذاكرة، وإلى مقاومة النسيان. وهذا ما بدا جلياً في بعض الأعداد ومثالها العدد 87، حين جاءت الافتتاحية مؤكدة أن الثقافة ليست هامشاً على المأساة، بل أحد أشكال مقاومتها.

وفي العدد 92، اتسعت الرؤية لتحتضن الفضاء العربي الأوسع؛ شعراء وفنانون ونقاد من أقطار متعددة، يلتقون تحت سقف واحد، مؤكدين أن الثقافة الحقيقية تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية، وتصنع وطناً من الكلمات والصور والأفكار. هناك بدا الفن التشكيلي، والشعر، والنقد، لا كأجناس إبداعية منفصلة، بل كأصوات في مشروع معرفي واحد.

أما العدد 93، فقد واصل هذا النسق التصاعدي، مثبتاً أن النجاح لم يكن مصادفة عابرة، بل نتيجة عمل مثابر، وأن هذا الملف لا يعيش على أمجاد أعداده السابقة، بل يعيد إنتاج نفسه مع كل إصدار، محافظاً على الجودة والتنوع والعمق.

ولقد كان اختيار هذه الأعداد بشكل عشوائي ولم تخيب الآمال.

ومن أبرز ما يميز هذا الملف أنه لم ينغلق داخل دائرة فكرية أو أيديولوجية واحدة، بل فتح صفحاته لكتاب من بلدان عربية مختلفة، ومن أطياف فكرية وسياسية متعددة. إذ نجح في أن يكون فضاءً رحباً حيث تتجاور الأصوات المختلفة تحت سقف الثقافة، دون أن تفقد اختلافها.

شخصياً، سعدت بأن أكون جزءاً من هذه الرحلة عبر مشاركات متعددة في القصة، والمقال، والدراسات. وكانت هذه المشاركة أكثر من مجرد نشر نصوص. كانت انخراطاً في مشروع ثقافي جاد، يراهن على الوعي، ويؤمن بأن الأدب والفن ليسا ترفاً، بل سبيلاً ضد الظلم والخراب.

إن الوصول إلى العدد المائة يعني أن الملف الثقافي نجح في عبور اختبارات صعبة: اختبار الاستمرارية، واختبار الجودة، واختبار المعنى. والاستمرار في ذاته، في واقعنا الثقافي الراهن، إنجاز كبير. أما الاستمرار مع الحفاظ على المستوى، فتلك علامة مؤسسة حقيقية لا مجرد مبادرة عابرة.

مئوية الملف الثقافي ليست احتفالاً بالماضي فقط، بل وعد بالمستقبل أيضاً.

هي مناسبة لنقول للقائمين عليه: لقد نجحتم في أن تصنعوا منبراً مضيئاً في زمن كثرت فيه العتمة، ومنصة للوعي في عصر الضجيج، وبيتاً للكلمة الجادة في زمن الاستسهال.

وإذا كانت الأعداد المائة الأولى قد رسخت هذا الحضور، فإن ما نرجوه هو أن تكون المائة التالية أكثر إشراقاً واتساعاً وتأثيراً.

مبارك للملف الثقافي مئويته الأولى. ومبارك للثقافة هذا الانتصار الصامت… انتصار الكلمة التي بقيت، بينما تراجع كثيرٌ مما ظُنّ يوماً أنه أقوى منها.

ويسعدني ويشرفني كذلك أن أشارك اليوم في هذه المئوية بقصتي “ستة خيول تمر في الليل”.

#ملف_الهدف_الثقافي #العدد_المائة #ثقافة #إبداع #صنّاع_الذاكرة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.