الكتابة تحت الأنقاض: نحو صياغة نظرية تغيير لـ “ملف الهدف الثقافي”

صحيفة الهدف

محمد إبراهيم “فطيرة”
​والحرب لم تضع أوزارها بعد، وخطاباتها مستعرة بالتقسيم الاجتماعي والثقافي وتبث سموم الكراهية عبر عبارات (ديل ما بيشبهونا)، وهي تسخر من أرواح المدنيين الذين ماتوا وقتلوا، وتقضي بالحسرة واليأس على من تبقوا.
​وفي ظل هذا الفراغ الثقيل، حيث توقفت عشرات الملفات الثقافية عن التنفس، خرج ( ملف الهدف الثقافي ) كنبض في جسد موجوع، يبحث عن مسارات جيلية ونقدية تحت ركام الحرب، حيث تبدلت الشخوص والحيوات والأشياء؛ وكما قال الفيتوري: “والغافل من ظن أن الأشياء هي الأشياء”. وفي هذه التبدلات، ظل الملف يؤكد أنه يمكن للكتابة أن تتنفس رغم الأنقاض.
​مئة عدد ليست مجرد كومة من الملفات، إنها تجسيد لمثابرة ثقافية، وشهادة على أن الفعل الثقافي لم يكن ترفاً، إنما هو شكل من أشكال المقاومة الحيوية، وإنتاج للذات والجماعات في آن واحد. هذا الملف كان، في جوهره، أقرب إلى حركة “الجموع”؛ متشعب الأصوات، مترامي الأطراف، يرفض الانصياع للقالب الأحادي والذي هو بالضرورة حار وجاف وضد الحياة. فصار الملف يشق طريقه ويبحث عن لغته الخاصة المتنوعة في فوضى ما بعد الحرب.
​ إشراقات المئة الأولى : حين كان الملف فضاءً للجموع
​لا يمكننا إنكار ما قدمه هذا الملف من متنفس ثقافي حين كانت الفضاءات العامة مختنقة. لقد كان، في لحظاته الأفضل، يعمل على تفكيك الخطاب الأحادي ومتحدياً صلف الحرب ودعاتها، مفسحاً المجال لأصوات شابة ولحساسيات نقدية لم تكن لتجد فضاءات أخرى. تنوعت الموضوعات بين النقد الأدبي، والفن التشكيلي، والترجمة، والدراسات التراثية، مما جعل الملف مفتوحاً على كل الاتجاهات، حيث تتلاقى الرؤى المتنوعة وتلتقي التعبيرات المختلفة لتشكل ذاكرة نقدية حية تتحدى قسوة الواقع.
​كما أن استمرارية الملف عبر مئة عدد هي بحد ذاتها إنجاز في زمن تتسارع فيه وتيرة النسيان، وتتقلص فيه مساحات الفعل الثقافي. لقد صار، كما يقول غاستون باشلار في شعرية المكان، “بيتاً للكلمات” تداعى إليه العديد من الأقلام الصادقة، مما خلق نوعاً من الذاكرة الجمعية لمرحلة مفصلية في تاريخنا الثقافي والفكري.
​في مصيدة الأيديولوجيا : حين يطغى المباشر على النقد
​تفرض علينا الحقيقة قراءة الملف بنظرة نقدية غير راضية تماماً. فالبراح الثقافي، في بعض أعداد الملف، تحول إلى فضاء لتسويق سياسات بعينها، أو للدفاع عن مواقف حزبية ضيقة. نعم، للثقافة أن تنخرط في السياسي، لكن الخطر يكمن حين يتحول الملف الثقافي إلى أداة للتبشير بخطاب أيديولوجي، بدلاً من أن يكون فضاءً مفتوحاً للحوار والرؤى المتنوعة.
​إن نشر بعض المقالات التي تحمل طابعاً سياسياً مباشراً والتي تقحم قسرياً في الملف الثقافي بينما لها مساحاته الخاصة في باقي صفحات صحيفة “الهدف”، تمثل نموذجاً لتدخل الأيديولوجي في براحات الثقافي. لقد بدا ذلك وكأنه عملية إعادة ترميز قسرية للمساحة الثقافية المستقلة، وتحويلها من مساحة حرة تتسع للجميع إلى منفذ مغلق يعيد إنتاج الخطاب السياسي.
​فتحولت الكلمات، في تلك الحالات، إلى ما يشبه “جهاز أسر” للرغبة في المعرفة، حيث تفرض قراءة واحدة للأحداث، وتستبعد التأويلات الأخرى. وهنا يكمن الإخفاق الأكبر: أن يصير الملف الثقافي مرآة تعكس سلطة الأيديولوجيا، لا أداة لتشكيل وعي نقدي جماعي وسلطة مضادة. فالخطاب الثقافي له أدواته المغايرة في التفاعل مع القضايا الإنسانية دون أن يستلف أدوات الخطاب الأيديولوجي والسياسي، بالاستفادة من تجربة المشهد الثقافي الفذ في دول المغرب العربي عبر كتابها (محمد زفزاف، الطاهر وطار، الطاهر بن جلون، ومحمد شكري إلخ)؛ أولئك الذين استطاعوا كتابة هامشهم وإعادة إنتاج شواغلهم الإنسانية بلغة جمالية رفيعة لم تخضع لإملاءات الأحزاب ولا لرهانات السلطة.
​كما أن الملف، في أحيان كثيرة، افتقد إلى الجرأة في طرح إشكاليات ثقافية عميقة متعلقة بالتراث والهوية والحداثة، وبمسألة العدالة الانتقالية الثقافية – التي تعيد الاعتبار للضحايا والمهمشين وتستعيد الذاكرة الجمعية بعيداً عن المظلات السياسية الضيقة- مفضلاً البقاء في منطقة الأمان الثقافي، بعيداً عن الصدامات الفكرية الحقيقية. وكأن الملف، رغم ادعاء التعدد، كان يخشى من “الحشود الضخمة” بمعناها التعددي المتمرد، مفضلاً إنتاج جمهور مطيع يستهلك ما يقدم له بدلاً من جمهور فاعل يشارك في إنتاج المعنى.
​نحو ميثاق تحريري جديد : مرتكزات “نظرية التغيير”
​إن الاحتفال بالعدد المئة ليس تغطية على الإخفاقات، إنما هو دعوة لقراءة نقدية عميقة تجعل من هذا الملف أداة للتحول لا للتكرار. وكما يقول دولوز: “النقد ليس تفعيلاً للماضي، بل هو تحرير المستقبل من ثقل الماضي”.
​وحتى لا يقع الملف في كبوة الأدلجة مجدداً، فإن استشراف المئة التالية يتطلب صياغة “نظرية تغيير” حقيقية تتجاوز الوعظ الفكري إلى آليات عمل تحريرية ومؤسسية واضحة، تتلخص في المرتكزات التالية:
​الفصل التحريري المنهجي : إقامة حد صارم ومستقل بين الرؤية السياسية التنظيمية للصحيفة، وبين الفضاء الثقافي المعني بالمساءلة الحرة والتأويل المتعدد.
​ تفكيك خطاب الحرب : تحويل الملف إلى منصة نقدية مضادة لسموم الكراهية وتقسيمات (ديل ما بيشبهونا)، عبر الانتصار للقيم الجمالية والإنسانية الجامعة.
​الانحياز للهامش والجغرافيا المقابلة : فتح قنوات تدفق غير مشروطة للأصوات الشابة والحساسيات النقدية الجديدة القادمة من أطراف البلاد وهامشها الثقافي.
​العدالة الانتقالية الثقافية كمنهج : طرح إشكاليات التراث والمظالم التاريخية بأدوات نقدية شجاعة تجعل الثقافة سلطة مضادة تسائل المؤسسة ولا تتماهى معها.
​رهانات المئة القادمة : الشجاعة في اختبار التعدد
​الأمل معقود بأن تتعلم هذه التجربة من أخطائها، وأن تنفتح أكثر على تعدد الأصوات والحساسيات، دون خوف من الصدام مع الآخر والمختلف. ليكن العدد المئة محطة لا نهاية، وليكن هذا الملف الثقافي قادراً على أن يعيد اكتشاف نفسه كفضاء للجمال والحقيقة والنقد.
​إن الكلمات التي تزرع اليوم في تربة الحرية هي وحدها القادرة على تفكيك الخطابات الأحادية التي خلفتها الحرب، والعبور بالوعي من خنادق وفخاخ الأيديولوجيا المغلقة إلى براحات المعنى المتعدد… فهلا امتلك القائمون على الملف الشجاعة والجرأة للعبور نحو المئة التالية؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.