(قراءة معاصرة في كتاب في سبيل البعث): عهد البطولة عند الأستاذ أحمد ميشيل عفلق: لماذا لا تبدأ نهضة الأمة بالقوة، بل بولادة الإنسان الجديد؟

صحيفة الهدف

اضغط الرابط:
عهد البطولة عند الأستاذ أحمد ميشيل عفلق لماذا لا تبدأ نهضة الأمة بالقوة، بل بولادة الإنسان الجديد؟

طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

ليست كل النصوص السياسية تُقرأ بوصفها برامج عمل، فبعضها يُقرأ بوصفه إعلاناً عن ميلاد إنسان جديد. وهذا ما يجعل مقالة “عهد البطولة” في كتاب “في سبيل البعث” (1935)، مختلفةً عن كثير مما كُتب في الفكر السياسي العربي. فالأستاذ أحمد ميشيل عفلق لا يبدأ حديثه بخطة للإصلاح، ولا ببرنامج اقتصادي، ولا بمشروع دستوري، وإنما يبدأ بإعلان نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الأمة العربية، وبداية مرحلة أخرى تختلف في الإنسان قبل أن تختلف في الدولة. إنه لا يتحدث عن تغيير الحكومات، بل عن تغيير طبيعة الإنسان الذي سيصنع التاريخ. ولهذا يعلن منذ السطر الأول أن صفحة قد انطوت، لا لأنها انتهت زمنياً، بل لأنها استنفدت قدرتها على صناعة المستقبل.

نهاية الإنسان المهزوم يفتتح الأستاذ أحمد ميشيل عفلق النص برسم ثلاث صور للإنسان الذي ينبغي أن يغادر المسرح التاريخي:

  • الصورة الأولى: هي صورة الضعفاء الذين يقفون أمام مصائب الوطن بالبكاء والعجز والاستسلام، وكأنهم ينظرون إلى التاريخ بوصفه قوة لا يمكن مقاومتها.

  • الصورة الثانية: صورة المترددين الذين يؤجلون كل شيء بحجة أن التطور يأتي ببطء، فيحوّلون الانتظار إلى فلسفة، والتردد إلى حكمة زائفة.

  • الصورة الثالثة: فهي الأخطر، صورة أولئك الذين يلعنون الفساد بألسنتهم، ثم يكونون أول من يخضع له حين تمتحنهم الحياة.

وهذه ليست مجرد أوصاف أخلاقية، بل تشخيص فلسفي لحالة الأمة عندما تفقد إرادتها. فالاستبداد لا يعيش بالقوة وحدها، وإنما يعيش أيضاً على الخوف، والتردد، والانتهازية. ولهذا فإن النهضة، في نظر الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، لا تبدأ بإسقاط نظام، وإنما بإسقاط هذا الإنسان المهزوم من داخل النفس.

البطولة ليست شجاعة، بل وحدة الإنسان مع نفسه بعد أن يعلن نهاية الصفحة القديمة، يبدأ مباشرة بالحديث عن الصفحة الجديدة. وهنا تظهر إحدى أعمق أفكار النص؛ فالبطولة عند الأستاذ أحمد ميشيل عفلق ليست عملاً عسكرياً، ولا اندفاعاً عاطفياً، ولا مغامرة فردية، إنها حالة من الانسجام الكامل بين ما يؤمن به الإنسان وما يمارسه. ولهذا يقول إن هؤلاء: “لا فرق بين باطنهم وظاهرهم”، وهذه العبارة تكاد تكون التعريف الفلسفي للبطولة كلها. فالإنسان البطل ليس من ينتصر على الآخرين، بل من ينتصر على الانقسام داخل نفسه. إنه الإنسان الذي لا يساوم على الحقيقة، ولا يبيع قناعته، ولا يغيّر موقفه تبعاً للمصلحة. ولذلك تصبح البطولة هنا فضيلة أخلاقية قبل أن تكون موقفاً سياسياً.

لماذا يقول: “وأكاد أقول عهد الطفولة؟”. ربما تكون هذه الجملة أكثر جمل النص عمقاً؛ فالأستاذ أحمد ميشيل عفلق لا يستبدل البطولة بالطفولة، وإنما يفسر البطولة من خلالها. فالطفل، في نظره، هو الإنسان الذي لم يتعلم بعد النفاق، لم يتقن الحسابات الصغيرة، لم يتلوث بالخوف، ولم يعتد الكذب. ولهذا فإن البطولة ليست إلا احتفاظ الإنسان، وهو بالغ، بصدق الطفل. إنها ليست رجوعاً إلى العمر الأول، وإنما رجوع إلى الفطرة الأولى. ومن هنا تصبح الطفولة رمزاً للنقاء، لا مرحلة عمرية، ورمزاً للإيمان، لا للبراءة الساذجة.

البطولة تبدأ من الداخل من أكثر الأفكار التي يسيء كثيرون فهمها أن البطولة تعني مواجهة العدو الخارجي. لكن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق يقدم تعريفاً مختلفاً؛ فالعدو الأول هو: الخوف، واليأس، والراحة، والمصلحة، والاستسلام. ولهذا يقول إن البطولة ليست دائماً في الهجوم، بل قد تكون في الصبر والثبات، وليست فقط في مقاومة الطغيان الخارجي، وإنما في مقاومة الضعف الكامن داخل الإنسان نفسه. وهذه الفكرة تجعل النص قريباً من الفلسفات الأخلاقية الكبرى، التي ترى أن معركة الإنسان الأولى هي مع نفسه.

الإيمان والحرارة في مواجهة البرود ويكشف النص أيضاً عن نقد عميق لذلك العقل البارد الذي يسخر من أصحاب المبادئ، ويصفهم بالحالمين أو الأطفال. يرى الأستاذ أحمد ميشيل عفلق أن التاريخ لا يصنعه الذين يكتفون بتحليل الواقع، وإنما الذين يمتلكون الإيمان الكافي لتغييره. ولهذا يدافع عن حرارة العقيدة في مواجهة برودة الحسابات. فالنهضة لا تحتاج إلى معلومات فقط، بل تحتاج إلى يقين أخلاقي يجعل الإنسان مستعداً لدفع ثمن ما يؤمن به.

الوطنية ليست كراهية الآخرين ومن أجمل ما في هذا الموضوع أن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق يرفض تحويل الوطنية إلى تعصب. فهو يؤكد أن الاستقلال ليس غاية في ذاته، وأن الحرية ليست شعاراً مجرداً، وأن الوطن ليس مشروع عزلة. ولهذا يقول بوضوح إن الاستقلال والحرية مطلوبان لأنهما يطلقان مواهب الإنسان، ويمنحانه القدرة على الإبداع، ويجعلان هذه الأرض قادرة على خدمة الإنسانية كلها. إن الوطنية هنا ليست انغلاقاً، بل طريق إلى الإنسانية. وهذا من أكثر الجوانب إشراقاً في الفكر القومي عنده.

قراءة معاصرة: هل نعيش اليوم أزمة البطولة؟ بعد نحو قرن من كتابة هذا النص، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً. فالأسلحة تغيرت، لكن المعركة بقيت هي نفسها. واليوم لم يعد الخوف يُصنع دائماً بالسجون، بل قد تصنعه الشاشات، والخوارزميات، والتضليل الإعلامي، والاستهلاك المفرط، وثقافة اللامبالاة. وأصبح الإنسان يواجه نوعاً جديداً من الهزيمة، لا يحتل الأرض، بل يحتل الإرادة. ومن هنا تكتسب فكرة “عهد البطولة” معناها الجديد؛ فالمطلوب ليس فقط أبطالاً في ساحات القتال، بل أبطالاً في الفكر، والعلم، والاقتصاد، والثقافة، والتعليم، والإدارة، والبحث العلمي. إن البطولة في القرن الحادي والعشرين هي أن يبقى الإنسان قادراً على قول الحقيقة وسط الضجيج، وأن يحافظ على استقلال ضميره وسط ضغوط المصالح، وأن يظل مؤمناً بمستقبل أمته في زمن يسهل فيه الاستسلام.

إن الهزيمة التي يحاول أعداء الأمة الآن إلحاقها بنا في الحاضر، هي في إبعادنا عن تاريخنا وهويتنا، وخلق الاغتراب عن أمتنا، وتحويل التنوع فيها إلى خلاف وصراع، والهبوط من الصعود نحو تحقيق وحدتها إلى حضيض المذهبية والعشائرية والقبلية. وهنا يأخذ الوعي معنى البطولة، ويتحول الموقف إلى عهد؛ فيتحقق “عهد البطولة” اليوم في وعينا وموقفنا. والمستقبل ليس زمناً ننتظره، بل إرادة نصنعها حين نعي أن النصر الحقيقي ليس في إسقاط العدو، بل في بناء إنسان لا يُهزم، وأن الأمة لا تنتصر بالسلاح فقط، بل بوعيها الذي يجعل السلاح في يدها أميناً، وبقيمها التي تجعل النصر معنى لا مجرد نتيجة.

خاتمة لا يكتب الأستاذ أحمد ميشيل عفلق في هذا الموضوع عن البطولة بوصفها فضيلة فردية، وإنما بوصفها الشرط الأول لولادة الأمة الجديدة. فالنهضة، في نظره، لا تبدأ حين تتغير الحكومات، ولا حين تُكتب الدساتير، بل حين يولد إنسان جديد، لا يعرف الانقسام بين ما يؤمن به وما يفعله، ولا يساوم على الحقيقة، ولا يستبدل الرسالة بالمصلحة. ولهذا لم يكن “عهد البطولة” دعوة إلى صناعة أبطال استثنائيين، بقدر ما كان دعوة إلى استعادة الإنسان الطبيعي الذي لم تفسده الهزيمة، ولم يروّضه الخوف، ولم تُطفئ المصالح جذوة إيمانه. إنه الإنسان الذي يشبه الطفل في صدقه، ويشبه الحكيم في وعيه، ويشبه المناضل في ثباته. ولعل هذه هي الرسالة الأعمق لهذا الموضوع؛ أن الأمم لا تُبعث عندما تمتلك القوة، بل عندما تستعيد الإنسان القادر على حملها. فهو البطل الحقيقي الذي تبدأ به كل نهضة، وتنتهي إليه كل رسالة.

#فكر #تاريخ #أمة #نهضة #بطولة #إنسان_جديد #أحمد_ميشيل_عفلق #قراءة_معاصرة #وعي #هوية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.