من داخل البيوت 7: صدمة العودة… حين يصبح الوطن غريبًا

صحيفة الهدف

 سلمى نايل

لم يكن الغياب عن الوطن رحلة اختيار، بل كان في كثير من الأحيان هروباً من الموت، أو بحثاً عن ملاذ يحفظ ما تبقى من الأسرة والكرامة. وبعد سنواتٍ من النزوح واللجوء، يعود السوداني إلى بلده وهو يحمل في قلبه صورةً قديمة للسودان، لكنه يفاجأ بأن الواقع لم يعد يشبه تلك الصورة.

يعود ليجد شارعاً تغيرت ملامحه، وبيتًا تهدمت جدرانه أو سكنه الصمت، وجيرانًا رحل بعضهم، وأصدقاء غيبتهم الح.رب، وأشجاراً كانت شاهدة على طفولته فلم يعد لها أثر. وقد يكتشف أن الحياة التي كان يعرفها قد تبدلت بالكامل، وأن عليه أن يبدأ من الصفر.

هذه الصدمة ليست ضعفاً في الشخصية، ولا قلة إيمان، وإنما هي استجابة نفسية طبيعية لفقدان الاستقرار، وللتغيرات العميقة التي فرضتها الح.رب. ويسميها المختصون “صدمة العودة”، وهي لا تقل قسوة عن صدمة النزوح نفسها. وقد تظهر هذه الصدمة في صورة حزنٍ دائم، أو قلقٍ شديد، أو سرعة انفعال، أو شعور بالغربة داخل الوطن، أو فقدان الرغبة في الاختلاط بالناس، أو مقارنة مؤلمة بين الماضي والحاضر، حتى يشعر الإنسان أنه عاد إلى المكان، لكنه لم يعد إلى الحياة التي تركها.

والخطأ الذي يقع فيه كثيرون هو مقاومة الواقع بالعيش المستمر في الذكريات. فالحنين جميل، لكنه إذا تحول إلى إقامة دائمة في الماضي أصبح عبئاً يمنع الإنسان من بناء المستقبل. إن أول خطوات العلاج هي الاعتراف بأن السودان الذي نعود إليه اليوم ليس السودان الذي غادرناه، وأن هذا التغيير لا يعني نهاية الحياة، بل بداية مرحلة جديدة تحتاج إلى الصبر والمرونة.

ومن المهم أيضاً ألا يعزل العائد نفسه عن الناس؛ فزيارة الأقارب، والجلوس مع الجيران، والمشاركة في الأعمال التطوعية وإعادة إعمار الأحياء، كلها تعيد للإنسان إحساسه بالانتماء، وتمنحه طاقة إيجابية تساعده على تجاوز الألم. كما ينبغي أن نتوقف عن مطالبة أنفسنا بأن نستعيد حياتنا السابقة بسرعة. فالتعافي ليس سباقاً، بل رحلة تحتاج إلى وقت، وإلى قبول المشاعر دون خجل أو إنكار. ومن يشعر بأن الحزن أو الخوف يلازمانه فترة طويلة، فلا بأس أن يطلب المساندة من شخص يثق به أو من مختص نفسي إن أمكن، فطلب العون قوة لا ضعف.

وللأسرة دور عظيم في امتصاص هذه الصدمة، حين تفسح المجال لكل فرد ليعبر عن مشاعره، وتبتعد عن اللوم والمقارنات، وتزرع الأمل بخطوات صغيرة، وتحتفل بكل إنجاز مهما بدا بسيطاً، فإعادة بناء الإنسان تسبق إعادة بناء الجدران.

إن السودان سيحتاج إلى سنوات ليضمد جراحه، لكن تعافي الوطن يبدأ بتعافي أهله. وكل بيت ينجح في احتواء ألمه، وكل أسرة تتماسك رغم الخسارة، هي حجر جديد في بناء سودان أكثر قوة ورحمة. فقد أخذت الح.رب من السودانيين الكثير، لكن لا ينبغي أن نسمح لها أن تأخذ قدرتنا على النهوض من جديد.

#السودان #صدمة_العودة #حرب #تعافي #أمل #نفسية #إنسانية #مستقبل #إعادة_بناء #مجتمع

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.