✍🏽خالد ضياء الدين
الماضي لا يعود إلينا، نحن من نعود إليه عندما نشعر بعدم الانتماء إلى الحاضر. فكلما تقدم العمر، اقترب الإحساس بالفناء، لذلك يرفض العقل الباطن النظر إلى الأمام، مفضّلًا الالتفات والغرق في الماضي، وتخيّل اللحظات الجميلة، وإن قلّت، ليعظمها، معتبرًا إياها الأجمل والأفضل، وإن لم تكن كذلك.
في رحلة البحث عن الطمأنينة، تتحول الصور القديمة، والأغاني، والبيوت، والوجوه إلى ملاذ نستدعيه لنلجأ إليه، ونطلق عليه وصف (الزمن الجميل).
حين يصبح الماضي أكثر دفئًا من الحاضر المليء بالحروب والموت والقهر، تعيد الذاكرة كتابة الماضي، وبالرغم من عدم القدرة على استعادته، ننكفئ لنعيش فيه. نحن لا نشتاق إلى الماضي حقيقة، بل نشتاق إلى أنفسنا التي فقدناها.
الحنين إلى الماضي… هل هو هروب من الحاضر أم مقاومة له؟ ولماذا نشتاق إلى زمن ربما لم يكن أفضل؟ وهل “النوستالجيا” مرض نفسي أم استجابة طبيعية؟
عندما نتذكر الماضي، لا تحمل عقولنا كاميرات، لذلك لا نتذكره كما كان، بل نعيد بناءه وفق ما نريد. وتشير دراسات علم النفس إلى أن الذاكرة ليست تسجيلًا حرفيًا للأحداث، بل عملية إعادة بناء تتأثر بالمشاعر والتجارب اللاحقة. لذلك تستدعي عقولنا غالبًا المشاعر الجميلة على حساب التجارب المؤلمة أو الفاشلة، فنربط الماضي بما كان يبعث فينا السكينة أكثر مما نتذكر ما كان يؤلمنا.
في الحلة كان هناك صبي يضربني كلما خرجت من المنزل، وفي المدرسة كنت أخشى المداومة لأن أستاذ الرياضيات كان عنيفًا. وهكذا تمر بنا أشياء وحوادث تنغص علينا حياتنا لأعوام طويلة، وقد يبقى منها شيء في النفس، لكننا نمر عليها مرور الكرام، ونتوقف عند علاقاتنا الجميلة، وتفوقنا في مجال محدد، أو صداقات معينة. هي التي تستدعيها الذاكرة لنتحسر عليها كلما ضاق حاضرنا بفعل الأزمات السياسية والاقتصادية وانعكاساتها على الحياة الاجتماعية.
كنا زمان، وكانت الأيام، وما في أجمل من فناني زمان وناس زمان… ثم تمضي السنين ونمضي معها. فيكبر هذا الجيل الذي نحمله كل انتكاسات الحاضر (جيل ما نافع، فاشل…)، ثم يقف هذا الجيل نفسه بعد أعوام ليتحسر على واقعه. فكروما عند آبائنا استبدلناه بزيدان إبراهيم، وهؤلاء استبدلوا زيدان بحسين الصادق، وسوف يأتي جيل يتحسر على عشة الجبل باعتبارها من الزمن الجميل.
عندما تدلهم الأزمات، ويزداد الحاضر ضغوطًا وخوفًا، يبحث العقل عن فترات ارتبطت بالأمن والاستقرار، حتى وإن كانت في زمانها سيئة: (يا حليل نميري، ضيعناك وضعنا معاك يا عبود)، ويصل الحال إلى: أصلًا ما كان مفترض الإنجليز يغادروا السودان! فكلما اشتدت قسوة الحاضر، ازداد الماضي جمالًا في أعيننا.
إن ظهور الكاميرات، والأفلام، وأشرطة التسجيل، والصور، ثم الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، وبرامج الذكاء الاصطناعي التي تتلاعب بالصور، كلها تغذي الحنين إلى الماضي، وتلهب النفس بسياط الذكريات، حتى يصبح الماضي ملاذًا نفسيًا وبوابة خلفية للهروب من الحاضر.
صورتك وأنت في العشرين من عمرك أجمل من صورتك وأنت في الستين، لذلك يجرك الحنين إلى الماضي، بالرغم من أنك ربما لم تحقق أي إنجاز في تلك المرحلة، بينما ما أنت فيه الآن تحقق في عمر أقرب إلى الحاضر. وبرغم ذلك، نتمنى عودة أيام لم تكن هي الأفضل، فقط لأن صورنا فيها كانت أجمل شكلًا، لا مضمونًا. فعندما تنظر إلى وجهك في المرآة وأنت شاب، ترى أمامك مستقبلًا بلا حدود، على عكس رؤيتك لها بعد الستين، لأن الأخيرة تذكرك بالرحيل واقتراب الأجل، فنهرب سريعًا لنغازل تاريخنا الممتد، معتبرين إياه الزمن الجميل، وإن لم يكن كذلك.
ليس الحنين إلى الماضي مرضًا في حد ذاته، بل قد يكون استجابة نفسية طبيعية تخفف وطأة الواقع وتمنح الإنسان شيئًا من السكينة. لكنه يتحول إلى عبء عندما يصبح بديلًا عن العيش في الحاضر. فالماضي مكان نستريح فيه قليلًا، لا مكان نقيم فيه إلى الأبد، لأن الحياة لا تُعاش إلا إلى الأمام، مهما ظل القلب يلتفت إلى الوراء.

Leave a Reply