كلمة العدد: كيف حاولت ثورة 17–30 تموز 1968م أن تجعل الفن شريكاً في بناء الإنسان والدولة؟ 

صحيفة الهدف

ليست الثورات الكبرى تلك التي تغيّر السلطة وحدها، بل تلك التي تغيّر صورة الإنسان عن نفسه. فالسياسة تستطيع أن تغيّر الحكومات، والاقتصاد يستطيع أن يرفع مستويات الدخل، أما الفن فهو الذي يغيّر الوجدان. ولهذا فإن كل مشروع نهضوي حقيقي يبدأ ببناء الإنسان قبل بناء المؤسسات، وبإعادة تشكيل الوعي قبل إعادة تشكيل الدولة.

ومن هذه الزاوية، لم تنظر ثورة السابع عشر – الثلاثين من تموز 1968 إلى الثقافة والفنون باعتبارهما ترفاً اجتماعياً أو نشاطاً للنخبة، بل باعتبارهما من أدوات صناعة المجتمع الجديد. فالفنان، في هذا التصور، لم يكن مجرد منتج للجمال، وإنما شريكاً في بناء الوعي الوطني والقومي، تماماً كما كان المعلم والمهندس والطبيب والجندي.

ولم يكن الفن، في هذا التصور، موجهاً إلى الإنسان العراقي وحده، بل كان جزءاً من مشروع ثقافي عربي أوسع، يسعى إلى ترسيخ الهوية القومية، وإحياء اللغة العربية، وتعميق الوعي بالتاريخ المشترك، حتى يصبح الإبداع جسراً يربط أقطار الأمة، لا مجرد نشاط محلي محدود.

لقد أدركت التجربة أن الأمة لا تُبنى بالقوانين وحدها، لأن القانون ينظم السلوك، لكنه لا يصنع القيم. ولا تُبنى بالاقتصاد وحده، لأن الثروة قد تخلق الرفاه، لكنها لا تخلق الانتماء. أما الفن، فإنه يربط الإنسان بوطنه، ويمنح التاريخ ذاكرة، ويحوّل الفكرة إلى صورة، والقيمة إلى إحساس، والانتماء إلى ممارسة يومية.

فالسلطة تستطيع أن تفرض القوانين، لكنها لا تستطيع أن تفرض الحب والانتماء. أما الفن، فإنه يدخل إلى الإنسان من حيث لا تستطيع السياسة أن تصل، ولذلك كان أكثر أدوات بناء الوعي هدوءاً، وأعمقها أثراً، وأطولها عمراً.

ولهذا شهد العراق في تلك المرحلة توسعاً واضحاً في المسرح، والسينما، والفنون التشكيلية، والموسيقى، والأدب، والنشر، والمهرجانات الثقافية، وبرزت مؤسسات ثقافية وفنية أسهمت في إنتاج مشهد ثقافي عربي مؤثر. ولم يكن الهدف إنتاج أعمال فنية فحسب، وإنما إنتاج إنسان يرى في الجمال جزءاً من مشروع النهضة، لا ترفاً منفصلاً عنها.

لم يكن الاهتمام بالفنون في تلك المرحلة عملاً هامشياً، بل أصبح جزءاً من سياسة الدولة في بناء الشخصية العراقية والعربية. فقد توسعت حركة المسرح الوطني، ونشطت السينما، وازدهرت الأغنية الوطنية، وأُنشئت المؤسسات الثقافية ودور النشر والمهرجانات الفنية، إيماناً بأن المجتمع الذي يبدع هو المجتمع القادر على الدفاع عن هويته وبناء مستقبله.

واليوم، وبعد عقود من الـح.روب والانقسامات، يعود السؤال أكثر إلحاحاً: هل يمكن لأي أمة أن تستعيد مكانتها إذا فقدت فنها؟ وهل تستطيع الثقافة أن تكون جسراً لإعادة بناء الإنسان بعد أن تهدمه الصراعات؟

إن هذه المناسبة تجعلنا نجدد قراءة الفن بوصفه قوة حضارية، وإعادة النقاش حول دوره في صناعة الوعي، وفي حماية الهوية، وفي بناء الإنسان العربي القادر على أن يجمع بين الأصالة والإبداع، وبين الانتماء والانفتاح، وبين الجمال والمسؤولية. فالفن الحقيقي لا يزين الحياة فقط، بل يساعد على صنعها. والأمم التي تعرف كيف تبدع، تعرف أيضاً كيف تنهض.

وربما لهذا بقيت الأمم التي احترمت فنها أكثر قدرة على مقاومة الانكسار، لأن الجمال ليس زينة للحياة، بل أحد شروط بقائها. فحين يموت الفن، تبدأ الروح في الذبول، وحين يبدع الإنسان، تبدأ الحضارة في النهوض. ولذلك لم تكن الفنون في ثورة تموز مجرد لوحات وأغانٍ ومسرحيات، وإنما كانت جزءاً من مشروع أراد أن يبني إنساناً يعرف من هو، وإلى أين يريد أن يمضي.

#ثقافة #فكر #العراق #نهضة #إبداع #وعي #هوية_عربية #تاريخ #فن #أدب #سياسة #تنمية #مجتمع #فلسفة #إنسانية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.