د. جمال الجاك
مقدمة:
التاريخ لا يُكتب فقط في قصور الحكم، بل في ساحات الجامعات، حيث تتشكل العقول، وتُصاغ الأحلام، وتُبنى الإرادات. الحركة الطـ.لابية ليست ذكرى تُستعاد، بل طاقةٌ يجب أن تُفجّر. وهي، حين تنهض، لا تغيّر واقع التعليم فحسب، بل تعيد رسم ملامح الوطن. في ذكرى التأسيس، وفي وهج الانتفاضة، يعود السؤال: هل يستعيد الطـ.لاب موقعهم الطبيعي في قلب المعركة؟ الإجابة لا تُكتب بالحبر، بل تُصاغ بالفعل.
في ذكرى ميلاد الفكرة التي لا تموت، الذكرى التاسعة والسبعين لتأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي، وفي رحاب الذكرى الحادية والأربعين لانتفاضة مارس-أبريل المجيدة، نقف اليوم أمام مرآة التاريخ لنستدعي ملامح “المارد” الذي لم يهدأ يوماً. إن استنهاض الحركة الطـ.لابية اليوم ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة وجودية في ظل حـ.رب عبثية استهدفت تمزيق نسيج الوطن وتدمير منارات وعيه.
أولاً: لماذا الاستهداف؟ (صراع الوعي ضد التبعية):
لم يكن استهداف الحركة الطـ.لابية من قبل أنظمة الاستبداد والفـ.ساد وقوى الرأسمالية الطفيلية محض صدفة. فالجامعة في الفكر الثوري هي “المعمل” الذي تُصاغ فيه إرادة التغيير. لقد أدركت الأنظمة المتعاقبة أن الطـ.الب الواعي هو التهديد الحقيقي لمصالحها المرتبطة بالتبعية للخارج. استهدفت هذه القوى الحركة الطـ.لابية لأنها:
-
حائط الصد الأول ضد سياسات البنك الدولي وتكريس المنهج الطبقي في التعليم.
-
مركز الإشعاع الذي ينقل الوعي السياسي من أسوار الجامعة إلى أزقة الأحياء والمصانع.
-
العدو اللدود للرأسمالية الطفيلية التي ترى في مجانية التعليم “خسارة مالية” وفي جودته “خطراً سياسياً”.
ثانياً: تخريب التعليم.. من “المنارة” إلى “الاستثمار”:
تعرض التعليم في السودان لعملية “تشريد” ممنهجة. لقد شهدنا طوال العقود الماضية، وبلغت الذروة في ظل الأنظمة الظلامية، تحويلاً للتعليم من حق سيادي وديمقراطي إلى سلعة ربحية.
-
تقليص التعليم الحكومي: تم تجفيف الموارد عن الجامعات العريقة لصالح “دكاكين التعليم الخاص” التي تبيع الشهادات وتصادر الوعي.
-
تغريب المناهج: فُرضت مناهج تعزل الطـ.الب عن قضايا بيئته القومية والوطنية، وتكرس للاستلاب الثقافي.
-
التشريد الأكاديمي: أصبحت البيئة الجامعية طاردة، يلاحق فيها الطـ.الب بالرسوم الباهظة وبقبضة الأجهزة الأمنية التي استبدلت “المنبر” بـ “السيخ” و”الرصـ.اص”.
ثالثاً: سجل النضال.. دماءٌ تعبّد طريق الحرية:
إن تاريخ الحركة الطـ.لابية السودانية هو سفرٌ من البطولة. من “مؤتمر الخريجين” وصولاً إلى ثورة ديسمبر المجيدة، كانت الحركة الطـ.لابية هي القلب النابض. نستذكر هنا جبهة كفاح الطلبة وتنظيمات حزب البعث العربي الاشتراكي، التي شكلت طليعة الصدام. هؤلاء المناضلون الذين لم ينكسروا أمام بيوت الأشباح، والذين حولوا الجامعات إلى ساحات للمناظرات الفكرية، والملكات الفنية، والمسرح الثوري. ولا يفوتنا أن نحيي الدور النضالي للحركة الطـ.لابية السودانية في العراق، التي كانت جسراً قومياً للتواصل، وساحة لبناء الكادر البعثي المتسلح بالعلم والإيمان بالوحدة، حيث قدموا نموذجاً في الالتزام بقضايا الأمة والالتحام بنضالات الشعبين السوداني والعراقي ضد الإمبريالية.
رابعاً: الحـ.رب العبثية.. الكارثة والحل:
تأتي ذكرى التأسيس والانتفاضة هذا العام والجرح السوداني ينزف بفعل حـ.رب عبثية دمرت البنية التحتية للتعليم، وحولت الجامعات إلى ثكنات أو أطلال، وشردت ملايين الطـ.لاب وأسرهم.
-
الآثار المادية والاجتماعية: ضياع سنوات دراسية، تدمير المختبرات والمكتبات، وانهيار الاقتصاد المنزلي للأسر السودانية.
-
الآثار النفسية: جيل كامل يواجه صدمات النزوح وفقدان الأمل.
-
الحل؟ لا يكمن إلا في وقف الحـ.رب فوراً واستعادة المسار الديمقراطي، واعتبار إعادة إعمار قطاع التعليم قضية أمن قومي، مع الالتزام الصارم بـ مجانية التعليم كتعويض عادل للشعب الذي دفع ثمن هذه المحرقة.
خامساً: الأهداف الاستراتيجية لاستعادة المبادرة:
إننا في حزب البعث، ومن خلال تنظيماتنا الطـ.لابية، نرفع لواء الاستنهاض وفق الرؤى التالية:
-
التعليم حق لا منحة: النضال من أجل تعليم (مجاني، ديمقراطي، وعصري) يقطع الطريق أمام خصخصة الوعي.
-
التمثيل النسبي: إسناد الحقوق النقابية واستعادة الاتحادات الطـ.لابية عبر نظام التمثيل النسبي، لضمان مشاركة كافة التيارات وحماية التعددية.
-
توسيع الكسب التنظيمي: ندعو الرفاق والطـ.لاب الأحرار للانتظام في صفوف “جبهة كفاح الطلبة” والكتل الوطنية، ليكونوا الصخرة التي تتحطم عليها مؤامرات التجزئة والتبعية.
-
التحالفات العريضة: استشراف مستقبل التحالفات الطـ.لابية على قاعدة “وحدة القوى الديمقراطية” لمواجهة فلول النظام البائد وقوى الحـ.رب.
خاتمة:
إلى الصدور.. أيها الشرفاء يا طـ.لاب السودان، يا أحفاد أبريل وديسمبر.. إن ذكرى تأسيس حزبكم، وذكرى انتفاضتكم، تناديكم اليوم للانتظام في “الصدور”. إن معركة الوعي هي المعركة الأم، والجامعة هي الخندق الأخير. لن نترك التعليم لقمة سائغة في أفواه الرأسمالية الطفيلية، ولن نترك الوطن نهباً لأمراء الحـ.رب. المجد للشهداء.. النصر للحركة الطـ.لابية.. وعاش كفاح حزب البعث العربي الاشتراكي.

Leave a Reply