كيف استطاع طلبة الأساس هزيمة الحرب؟

صحيفة الهدف

سلمى نايل

في الوقت الذي كانت فيه الحرب تراهن على كسر إرادة السودانيين، كان هناك جيش آخر يخوض معركة من نوع مختلف. جيش لا يحمل البنادق، بل يحمل الأقلام. لا يرتدي الزي العسكري، بل الزي المدرسي. أبطاله أطفال في مقتبل العمر، أثبتوا أن الإنسان يستطيع أن ينتصر على أقسى الظروف حين يؤمن بحلمه.

لم يكن الطريق إلى امتحانات شهادة الأساس مفروشًا بالورود، بل بالحطام والدموع. فقد كثير منهم بيوتهم، ونزحت أسرهم، وافترقوا عن مدارسهم ومعلميهم وأصدقائهم، وذاقوا مرارة الخوف مع كل دوي قذيفة، وكل ليلة قضاها الوطن تحت أزيز الرصاص. ومع ذلك، لم يسمحوا للحرب أن تسرق مستقبلهم.

قرأوا كتبهم في مراكز الإيواء، وتحت ظلال الأشجار، وفي ساحات مفتوحة لا تحجبها سوى السماء. جلسوا على الأرض حين غابت المقاعد، واستعاضوا عن الفصول المجهزة بأماكن بسيطة، لكنهم لم يستعيضوا يومًا عن حلمهم بالتعليم.

كان كل دفتر يفتحونه إعلانًا بأن الحياة ما زالت قادرة على الانتصار، وكل صفحة يقلبونها هزيمة جديدة للحرب، وكل إجابة يكتبونها في ورقة الامتحان رصاصة في قلب الجهل واليأس.

لقد أثبت طلبة الأساس أن الحرب تستطيع أن تهدم الجدران، لكنها لا تستطيع أن تهدم الإرادة. وتستطيع أن تغلق المدارس، لكنها تعجز عن إغلاق العقول التي آمنت بأن العلم هو طريق النجاة.

وإذا كان جنرالات الحرب يتفاخرون بما خلفته معاركهم من دمار، فإن أطفال السودان يفاخرون بما حققوه من نجاح رغم الدمار. وهنا تكمن المفارقة؛ فهناك من يصنع الموت، وهناك من يصنع المستقبل.

ورسالتهم إلى كل من أشعل هذه الحرب واضحة وصريحة:

لقد خسرتم المعركة الحقيقية، لأنكم عجزتم عن قتل الأمل في نفوسنا. نحن أبناء هذا الوطن، سنبنيه بأقلامنا كما حاولتم هدمه بأسلحتكم. سنعيد فتح المدارس، وإعمار الجامعات، وإحياء المكتبات، لأن الأمم لا تنهض بالمدافع، وإنما تنهض بالعلم.

إن النتائج المشرفة التي حققها طلبة الأساس ليست مجرد أرقام في كشوفات النجاح، بل وثيقة تاريخية تؤكد أن هذا الجيل وُلد من رحم المعاناة، وتربى على الصبر، وتعلم أن المستقبل لا تصنعه الظروف، وإنما تصنعه الإرادة.

سلام على كل طفل سار إلى امتحانه وقلبه ممتلئ بالأمل رغم الخوف، وسلام على كل أم سهرت، وكل أب صبر، وكل معلم حمل رسالته في زمن عزّ فيه الاستقرار.

لقد انتصر أطفال السودان، لأنهم اختاروا القلم حين أرادت الحرب أن تفرض عليهم لغة الرصاص، واختاروا الحياة حين أراد الآخرون أن يكتبوا للوطن سيرة الموت.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.